الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

     

 

الفصل السّابع : الإثم الكنعانيّ

 

تحديد المتّحد(212)

إذا كانت الدّولة مظهراً سياسيّاً من مظاهر الاجتماع البشريّ فالأمّة واقع اجتماعيّ بحت. ودرس الأمم ونشوئها هو درس اجتماعيّ، لا درس سياسيّ، وإن كان لا غنى للعلم السّياسيّ عن درس الأمّة والقوميّة، لأهمّيّتها في النّظريّات السّياسيّة وفعلهما في تغيير مجرى الشّؤون السّياسيّة وإصلاح المعتقدات والمبادئ السّياسيّة، كما مرّ في الفصل السّابق.

وإذا كانت الأمّة واقعاً اجتماعيّاً، وإنّها لكذلك، فما تحديد هذا الواقع الاجتماعيّ وما أسبابه وخصائصه ومميّزاته وما هي روحيّته أو عصبيّته، الّتي نسميّها القوميّة(213) وكيف نفهمه؟.

قد رأينا في بحثنا الاجتماعيّ البشريّ، في الفصل الرّابع من هذا الكتاب، أنّ الحياة البشريّة، ككلّ حياة أخرى، تجري وفاقاً لناموس عامّ هو ناموس العلاقة البيولوجيّة المثلّثة الأضلاع:

: الجسم ــ النّفس (الدّماغ) ــ المحيط

فهل يعني ذلك أنّ اشتراك الكائنات الحيّة في هذا النّاموس العامّ يمكن أن يولّد اجتماعاً عامّاً بين الإنسان والحيوان وأن يكوّن متّحدات عامّة أو مشتركة بين أنواع الحيوان والإنسان ؟ وهل، إذا وجدنا في عالم الحيوان أنواعاً اجتماعيّة تجمهريّة قائمة على أساس هذا النّاموس المشترك، كالنّمل والنّحل والذّئاب وغيرها، يصحّ أن نبحث في إنشاء، متّحدات من هذه الأنواع والإنسان بناء على إضافة ناموس آخر مشترك هو ناموس الاجتماع ؟ وإذ كان الجواب على كلّ هذه الأسئلة نفياً فما هو السّبب المنطقيّ، الّذي نحتاج إليه دائماً في إقناع عقولنا المنطقيّة ؟. السّبب هو أنّ النّاموس اصطلاح بشريّ لمجرى من مجاري الحياة أو الطّبيعة نقصد به تعيين استمرار حدوث فعل أو خاصّة من أفعال وخواصّ الحياة أو الطّبيعة لا أنّ الطبيعة أو الحياة وضعت لكائناتها هذه النّواميس وأمرتها بالسّير عليها. وفي كلّ النّواميس الّتي نكتشفها يجب أن لا ننسى أنّنا نستخرج النّواميس من الحياة فيجب أن لا نجعلها تتضارب مع المجرى الطّبيعيّ الّذي نعرفه بها. فكوننا اكتشفنا ناموساً أو ناموسين من نواميس الحياة العامّة يجب أن لا يحملنا على نسيان الواقع الطّبيعيّ ونواميسه الأخرى، فالنّواميس لا تمحو خصائص الأنواع. وإذا كنّا قد اكتشفنا سنّة التّطوّر فيجب أن لا نتّخذ من هذه السنّة أقيسة وهميّة تذهب بنا إلى تصّورات تنافي الواقع وتغاير الحقيقة.

إنّ القياس كان ولا يزال مصيبة كبيرة في الأبحاث العلميّة الاجتماعيّة، خصوصاً في الأبحاث الّتي لا تجرّد علم الاجتماع من النّظريّات الفلسفيّة، من الفلسفة الاجتماعيّة، وهو الالتجاء إلى القياس ما أوجد شيئاً كثيراً من الخلط في المسائل الاجتماعيّة عموماً ومسألة الأمّة والقوميّة خصوصاً. فالكلام السّياسيّ عن الأمّة، مثلاً، أنّها مجموع ذو إرادة واحدة، قد قاد إلى جعل الإرادة غرضاً معيّناً من أغراض الحياة الاجتماعيّة، أو تمثّلها بصورة الإرادة الفرديّة كما في القول: أريد السّفر إلى أميركا أو أريد أن أشرب، والحقيقة أنّ الإرادة الاجتماعيّة ليست في هذه البساطة، فلا تكفي إرادة عدد من النّاس، من مجتمع واحد أو من مجتمعات متعدّدة، السّفر إلى أميركا لإنشاء متّحد. بل إنّ الاشتراك الفعليّ في تنفيذ هذه الإرادة لا يولّد متّحداً. إنّ ركّاب السّفينة لا يشكّلون متّحداً، لأنّهم يشتركون في مصلحة واحدة هي السّفر وإرادة واحدة هي الانتقال، فإن لم يكونوا متّحداً من قبل فهم ليسوا متّحداً.

ولقد أشرنا في غير موضع من هذا الكتاب ((أنظر فقرة الثقافتان المادية والنفسية في الفصل السادس )) إلى أنّ الاجتماع البشريّ ليس اجتماعاً مطلقاً أو اختياريّاً مطلقاً. فإذا كان الاجتماع صفة عامّة في الإنسانيّة فهذا لا يعني أنّ الإنسانيّة مجتمع واحد يسري فيه الاجتماع بمجرّد الإنسانيّة. فالسّوريّ المسافر إلى أميركا ليس كالمنتقل من دمشق إلى بيروت أو القدس، من وجهة الاتّحاد الاجتماعيّ ويعظم التّباين في انتقاله إلى الصّحراء مثلاً. وقد نجد في بعض الدّروس العلميّة الاجتماعيّة أوضاعاً تصنيفيّة عامّة كالاصطلاح على نعت مرتبة الرّابطة الاجتماعية الاقتصاديّة بمرتبة أو مظهر العلاقة الاختياريّة(214) بالنّسبة إلى العلاقة الدّمويّة الأوّليّة ((أنظر توزع البشر ونشوء الجماعات في الفصل الرابع )). فمثل هذا الاصطلاح قد يحمل على تصوّر اختيار استبداديّ أو اختيار مطلق والواقع غير ذلك. لا يختار الإنسان المجتمع الّذي يعيش فيه أكثر ممّا يختار والديه، ولكنّه قد يخير أمّه على أبيه أو العكس، ليس المجتمع
Contrat Social أساسه الفرد. وفي المجتمع يختار المرء من ينشئ علاقات معهم اختياراً لا يخلو من تقيّد ولا نريد أن نبني هنا فلسفة اجتماعيّة كالفلسفة الّتي يقول بها تاتا اليابانيّ أو شمالنبخ الألمانيّ(215) الّلذان يذهبان إلى أنّ رابطة الاجتماع في المستقبل ستكون رابطة الميل أو العاطفة. فذلك طور لا نعرف متى يكون، على افتراض أنّه كائن لا محالة، ولا كيف يكون.

إذا كانت البشريّة ليست مجتمعاً أو متّحداً فما هي إذاً ؟ هي مجتمعات ومتّحدات. ولماذا هي كذلك ؟ ولنوضح أكثر ونسأل: ما هي العوامل والأسباب الّتي تولّد المجتمعات وتكوّن المتّحدات ؟.

إنّ الجواب على بعض هذا السّؤال قد أعطي في [المجتمع وتطوّره]، ففي هذا البحث تكّلمنا عن الرّوابط الاجتماعيّة الاقتصاديّة الفاعلة في تطوير المجتمع عموماً، أي كلّ مجتمع تتناوله هذه الرّوابط نفسها. ولكنّ المجتمع عموماً ليس المتّحد الخاصّ المعيّن. فكيف نعيّن المتّحد بالنّسبة إلى ما نسميّه أحياناً المجتمع الإنسانيّ إلى الإنسانيّة ؟.

هل مجرّد انتشار ثقافة ماديّة وروحيّة واحدة بين عدد من الجماعات البشريّة يولّد من هذه الجماعات متّحداً رابطته الثّقافة ؟ إذا كان الجواب نفياً ولم تكن الثّقافة الواحدة أساساً للمتّحد فما هي عوامل المتّحد وروابطه ؟.

إنّ الثّقافة العامّة تفرّق بين أنواع المتّحدات، لا بين المتّحدات، فهي أولّ شاطر بين الجماعات الأوليّة والفطريّة الجاهليّة وبين المجتمعات العمرانيّة الرّاقية، ولكنّ الثّقافة ليست من الصّفات الطّبيعيّة الشّخصيّة الّتي لا تنتقل وسنعود إلى درسها فيما يلي. أمّا الآن فنريد أن نضع قاعدة عامّة للمتّحد ندرسه عليها.

أريد أن أجاري هنا مكيور في إيضاحه المتّحد أنّه كلّ مساحة تشتمل على حياة مشتركة وتكون متميّزة عن المساحات الأخرى تميّزاً لا تصحّ بدونه تسمية المتّحد(216). فالقرية متّحد والمدينة متّحد والمنطقة متّحد والقطر متّحد ولكلّ متّحد خصائص تميّزه عمّا سواه ممّا هو أصغر منه أو أوسع منه، أقلّ منه أو أكثر منه. فإذا سلّمنا بالافتراض أنّ المرّيخ مأهول وأنّ فيه نوعاً من البشر يحيون في جوّه وأرضه حياة توافق ذلك الجوّ وتلك الأرض، صحّ أن يكون النّاس على هذه الدّنيا متّحداً مشتركاً، على كل ما فيه من متناقضات، في خصائص تميّزه عن متّحد سكّان المرّيخ، الّذين، على ما قد يكون لهم من فوارق متناقضة، لا بدّ أن يشتركوا في خصائص حياتهم العامّة المميّزة لهم عن سكان كلّ سيّار آخر، الموجدة لهم إمكانيّات تفاعل داخليّ تحدّد مجموعهم بالنّسبة لمجموع هذه الدّنيا ويكون أساس هذه الإمكانيّات خصائص النّوع، ويكون معنى هذا المتّحد منتهى التّوسّع في استعمال هذه اللّفظة الّتي تفيد التّجانس والتّلاحم والّتي أريد بعد الآن أنّ أقتصر فيها على الواقع الاجتماعيّ، على الجماعة المشتركة في حياة واحدة تكسبها صفات مشتركة بارزة وتسبغ عليها ما يمكننا أن نسمّيه شخصيّة ووحدة خاصّة

بالنّسبة إلى الوحدة الإنسانيّة العامّة. فإنّ شرط المتّحد ليس أن يكون مجموعاً عدديّاً من ناس مشتركين في صفات النّوع الإنسانيّ العامّة فحسب، بل مجموعاً متّحداً في الحياة متشابهاً أفراده في العقول والأجسام تشابهاً جوهريّاً. ولا نقصد بهذا التّشابه شيئاً سلاليّاً بحتاً ولكنّنا نقصد ما عناه بواس في الإجابة العضويّة على محرّضات البيئة الّتي تحدّد المتّحد ((أنظر البيئة والجماعة في الفصل الثالث)). ومن إيضاح بواس نعلم أنّ التّشابه العقليّ والفيزيائيّ نتيجة، لا سبب. فهو ناتج عن الاشتراك في الحياة الواحدة. فالنّقاد الخبير يقدر أن يميّز بين الدّمشقيّ والبغداديّ والبيروتيّ أو بين الجبليّ والسهليّ من بعض الصّفات الّتي يتحلّى بها كلّ من هؤلاء وتنطبع فيهم بعامل متّحد كلّ منهم. كذلك يمكنك حالاً أن ترى الفوارق المميّزة بين السّوريّ والمصريّ وتدرك في مقابلتهما أنّ الواحد منهما ينتمي إلى غير متّحد الآخر. فمتّحد المدينة والمنطقة واقع اجتماعيّ وكذلك متّحد القطر.

إنّ الاشتراك في الحياة يوّلد اشتراكاً في العقليّة والصّفات كالعادات والتّقاليد واللّهجات والأزياء وما شاكل. وعدم الاشتراك في الحياة يوهي أشدّ الرّوابط متانة كالرّابطة الدّمويّة وهو ما تنّبه له وذكره ابن خلدون في مقدّمته ومنه القول: [النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضرّ]، أي إنّ النّسب متى صار من باب العلم وفقد الاشتراك في الحياة الواحدة أصبح لا تنفع معرفته ولا يضرّ نسيانه أو جهله.

الاشتراك في الحياة هو ما يعمى عنه عدد وافر من الكتّاب والدّارسين حين يتكلّمون عن المتّحد أنّه جماعة لها صفات مشتركة من عادات وتقاليد ولهجات، حتّى إنّهم يجعلون هذه الصّفات الأساس الّذي يقوم عليه المتّحد، فيأخذون عدداً من الصّفات العامّة المشتركة ويحاولون أن يجعلوا من الّذين تنطبق عليهم هذه الصّفات متّحداً واحداً لا يتقيّد بمساحة ولا تربطه بيئة. وهم في فعلهم هذا ينسون أو يجهلون أنّ هنالك صفات عامّة تسري على جميع البشر من غير أن تجعل منهم متّحداً. فالمتّحد هو دائماً أمر واقع اجتماعيّ. وأنّ من الصّفات ما قد يميّز جماعات من النّاس عن جماعات أخرى من غير أن يعني ذلك وجود متّحد منها. فإنّ الصّفات تتبع المتّحد لا المتّحد الصّفات.

لنتوسّع في درس هذا الموضوع ولننظر في التّخبّط الّذي يجرّنا إليه حسبان صفات مشتركة أساساً للمتّحد. إذا سلّمنا بهذه النّظريّة، سلّمنا بأنّ الصّفات من عادات وتقاليد ومناقب هي صفات ثابتة لا تتغيّر ولا تتحوّل ولا تنتقل ولا تكتسب، بحيث يتحتّم على المشتركين في مجموعة معيّنة منها أن يكوّنوا متّحداً خاصاً محدّداً بهذه الصّفات كلّ التّحديد أو يمتنع عليهم الدّخول في متّحد تسري عليه صفات تتميّز عن صفاتهم ويكون الاختلاف في الصّفات بمثابة اختلاف طبيعيّ وراثيّ. وهذا يعني ألاّ يؤمّل السوريون والإنكليز والطليان والألمان إنشاء متّحد في نيويورك أو في الولايات المتّحدة عامة، أو الدّخول في المتّحد الأميركانيّ، لأنهم أقوام لكلّ منها صفات خاصّة تميّزه عن القوم الآخر، أو تختلف عن الصّفات السّارية على محيط المتّحد الأميركانيّ، ولكنّنا كلّنا نعلم أنّ السّوريّ الّذي يهاجر إلى أميركا لا يلبث، إذا أقام، أن تتبدّل صفاته الخاصّة ويكتسب صفات المتّحد الأميركانيّ الخاصّة. فكيف زالت صفاته الأولى الثّابتة الّتي كانت تميّزه عن الأميركان، ومن أين جاءته الصّفات الأميركانيّة الّتي أصبحت تميّزه عن السّوريّين ؟ أليس في هذا الواقع برهان مفحم على أنّ الصّفات ليست أساس المتّحد وأنّ أساس المتّحد والصّفات هو الاشتراك في الحياة الواحدة ؟ بلى. فحيثما اجتمع جمهور كبير من السّوريّين في أميركا وقلّ اختلاطهم مع الأميركان وظلّوا محافظين على اشتراكهم في حياتهم، في متّحدهم، فهم يكتسبون كثيراً من طابع البيئة ولكنّهم يظلّون متّحداً متميّزاً عن الأميركان بنسبة إقلالهم من الاشتراك في الحياة الأميركانيّة وعكفهم على حياتهم السّوريّة. وكلّما قلّ تعاشرهم فيما بينهم وازداد اشتراكهم في الحياة الأميركانيّة ازداد تخلّقهم بأخلاق الأميركان واكتسابهم صفاتهم. وإذا كانت أميركا بعيدة على القارئ في سورية فلنأخذ مصر مثلاً. ألسنا نرى اشتراك السّوريّين المقيمين في مصر في الحياة المصريّة يكسبهم، تدريجاً، صفات مصريّة فيعود واحدهم إلى سورية يخاطبك بلهجة [ازيّك] بدلاً من [كيف حالك] و[خبر إيه ؟] بدلاً من [شو صار] الخ. أو ليس عدم حصول هذه الصّفات لهم إلاّ بعد إقامتهم في مصر دليل على أنّ صفات المتّحد قائمة على أساس الاشتراك في الحياة، لا أنّ الاشتراك في الحياة قائم على أساس الصّفات ؟.

لنأخذ متّحداً صغيراً يمكننا أن نراقبه في جزئياته أكثر من المتّحد الكبير كالشّوير، مثلاً، أو صوفر أو مشغرة أو بلودان أو معلولا أو بيروت أو دمشق أو نابلس أو بغداد. إذا أخذنا الشّوير مثلاً وجدنا أنّ للشّويريّين لهجة خاصّة في النّطق، واشتراكاً في صفات نفسيّة أو خلقيّة خاصّة كاشتهارهم بالصّلابة والعناد، وعادات ومظاهر خاصّة في نوع معيشتهم والحرف الّتي يحترفونها، ناتجة عن اختباراتهم الخاصّة. ولا بدّ لمن هو غير شويريّ من ملاحظة بعض مظاهر خاصّة من حياة الشّويريّين اليوميّة. ومع أنّ عادات ومظاهر أهل بكفيّا تقرب كثيراً من عادات ومظاهر أهل الشّوير فإنّ لكلّ واحدة من هاتين البلدتين بعض الصّفات الخاصّة الّتي لا بدّ أن يظهر أثرها وفرقها في المعاشرة لتدلّ على أنّ ابن الشّوير وابن بكفيّا من متّحدين لا من متّحد واحد. فهل يعني ذلك أنّهما من متّحدين، لأنّهما متميّزان الواحد عن الآخر, أو أنهما متميزان, لأنهما من متحدين اثنين ؟ ولا شكّ أنّ الوجه الثّاني هو الصّواب في بحثنا عن السّبب في حين أنّ الوجه الأوّل صواب في الاستدلال، لأنّنا نرى الشّويريّ والبكفييّ يفقدان خصائصهما المميّزة إذا تركا متّحديهما وسكنا بيروت، مثلاً، مدة طويلة تسمح للبيئة الاجتماعيّة بالتّأثير عليهما أو إذا جيء بهما إلى بيروت طفلين وربيا فيها. وليس من ينكر الفوارق بين متّحدي بيروت ودمشق، مثلاً، فلهجة البيروتيّ ومظهره الخارجيّ ونوع حياته، من الوجهة الخاصّة، وبعض اتّجاهاته النّفسيّة، كلّ هذه تميّزه عن الدّمشقيّ. ولكنّ جميع هذه المتّحدات الصّغيرة وألوفاً مثلها تؤلّف متّحداً واحداً هو المتّحد القوميّ أو متّحد الأمّة أو متّحد القطر، أسماء لمسمى واحد. وهي في مجموعها تشكّل وحدة يعمّ في أفرادها التّجانس العقليّ والتّجانس في الهيئة والمظهر، التّجانس الّذي هو أكثر وأقوى من الفوارق الجزئيّة. وشرط كلّ متّحد يصحّ أن نسمّيه متّحداً أن يكون تجانسه أقوى وأكثر من تباينه.

عند هذا الحدّ يمكننا أن نعيّن المتّحد بالنّسبة إلى صفاته بأنّه اتّحاد مجموع من النّاس في حياة واحدة على مساحة محدودة يكتسب من بيئته ومن حياته المشتركة الخاصّة صفات خاصّة به إلى جانب الصّفات العامّة المشتركة بينه وبين المحيط الّذي هو أوسع منه، بينه وبين جميع البشر، وبينه وبين المتّحدات الأخرى. أمّا تحديد المتّحد بأنّه صفات مشتركة تشتمل على عدد من النّاس بصرف النّظر عن حدود المساحة والاشتراك في الحياة، فمن الأخطاء الّتي أدّت إلى كثير من البلبلة والهذر.

لنترك هنا تحليل المتّحد من حيث صفاته ولنأخذ في تحليله من وجهة أعمق من وجهة الصّفات: من وجهة العلاقات، من وجهة الأغراض والمصالح والإرادة. فممّا لا شكّ فيه أنّ وضع عدد من المشدوهين أو المجانين في بقعة محدّدة من الأرض لا يكوّن متّحداً اجتماعيّاً، كما أنّ اجتماع عدد من المسافرين على باخرة أو في عربة قطار لا يكوّن متّحداً. ولقد تكلمنا عن الإرادة والمسافرين في بداءة هذا الفصل ونزيد هنا أنّه إذا كانت الإرادة خاصّة ملازمة لكلّ متّحد فلا يحسن أن نتجاهل الواقع فنظنّ أنّ التّوافق في إرادة معيّنة أو إرادات معيّنة يكفي لإيجاد المتّحد. فإذا تكلّم العلماء عن عوامل الاجتماع ووصفوها بأنّها قوى أو توافق المصلحة والإرادة فيجب ألاّ يبادر إلى تكوين اعتقادات سطحيّة بشأن المصلحة والإرادة بحيث تستعمل المصلحة بالمعنى التّجاريّ البحت وتستعمل الإرادة بالمعنى الفرديّ أو الاستبداديّ. فلا يتصوّرنّ أحد أنّ تأليف شركة تجاريّة من سوريّين وإنكليز لاستثمار بعض أسواق الصّين أو البرازيل يؤلّف متّحداً اجتماعيّاً من أفراد الشّركة بناء على تعريف الشّركة بأنّها هيئة تجمع المصلحة والإرادة، والمصلحة والإرادة هما قطبا المجتمع أو المتحد. ومن تصوّر شيئاً من ذلك فقد اختلط عليه ما هو شأن المتّحد وما هو شأن الجمعيّة أو الشّركة.

نتكلّم عن المصلحة والإرادة متابعة للاصطلاح العامّ ولأنّ المصلحة والإرادة أوفى بالتّعبير وأوضح. فالحبّ الجنسيّ، مثلاً، هو أشدّ من مصلحة، هو حاجة بيولجيّة، والجوع كذلك حاجة بيولجيّة ولكنّ سدّ الجوع مصلحة ترتقي أو تنحطّ ، وإرواء الحبّ مصلحة ترتقي إلى أعلى مراتب النّفسيّة وتنخفض إلى أدنى مراتب الحيوانيّة ــ البيولجيّة، والتّوسّع في معنى المصلحة يشمل كلّ ما تنطوي عليه النّفس الإنسانيّة في علاقاتها. وبهذا المعنى نتكلّم عن المصلحة الاجتماعيّة. وإذا كانت المصلحة والإرادة هما قطبا المجتمع فواحدهما سلبيّ وهو المصلحة والآخر إيجابي وهو الإرادة، فالمصلحة هي الّتي تقرّر العلاقات جميعها والإرادة هي الّتي تحقّقها. وبديهيّ أنّه لا إرادة حيث لا مصلحة، فحين يجوع الإنسان يريد أن يأكل وحين يعطش يريد أن يشرب وحين يشتاق يريد أن يحبّ. فالمصلحة هي طلب حصول ارتياح النفس. وتحقيق ارتياح النّفس هو غرض الإرادة. وهكذا نرى أنّ المصلحة غير المنفعة أو الفائدة، وليست هي دائماً وليدة الشّعور بالحاجة ولا هي والحاجة شيئاً واحداً. إنّنا نعني بالمصلحة في هذا البحث كلّ ما يولّد أو يسبّب عملاً اجتماعيّاً وبناء على هذا التّعريف يمكننا أن نقول إنّ رابطة المتّحد هي رابطه المصلحة، فالمصلحة وراء كلّ متّحد. وكلّما نمت الحياة وازدادت ازدادت المصالح الّتي تولّد الاجتماع وقلّت المصالح المفرّقة.

كما أدّى استعمال الأمثال في الكلام على المجتمع إلى شيء كثير من الهذر، كذلك أدّى الكلام غير المنقود إلى إساءة فهم وإساءة استعمال المقصود من المصلحة والإرادة. وتجنّباً للوقوع في فوضى الاصطلاحات الّتي عمّمتها لغة الجرائد في قطرنا تعميماً فاضحاً يجعل كلّ دراسة جدّية لوضع الأشياء في مواضعها عملاً شاقاً، رأيت أن أعرض هنا للمحة من المصالح الاجتماعيّة الّتي يمكننا أن نسميها مصالح المتّحد، أو مصالح لها خصائص ربط النّاس في متّحد.

إنّ المصالح، مبدئياً، صنفان يجب ألاّ يصير بينهما خلط وتداخل كما يحدث عادة في تعميم المصطلحات الفنيّة. فهنالك المصالح المتشابهة أو الشّكليّة التي هي لكلّ فرد مثلما هي لكلّ فرد آخر، كتحصيل المعاش أو ربح الصّيت أو جمع الثّروة، أو أيّ مصلحة أخرى شخصيّة خاصّة. فهذه المصالح هي شكليّة أو متشابهة ولكنّها لا تقتضي اتّحاد من يريدونها أو إيجاد علاقة اجتماعيّة ثابتة فيما بينهم. وهنالك المصلحة العامّة أو المشتركة الّتي يجمع عدد من النّاس على الاشتراك في تحقيقها لأنّها تشمل الكلّ، كمصلحة خير القرية أو المدينة أو القطر. ومهما كان الباعث على العمل لهذه المصلحة، فالمصلحة نفسها تظلّ مصلحة الجميع لأنّها تشملهم، أي إنّه قد يكون حبّ المجد هو الموحي أو الدافع لبعض الأشخاص على العمل للمصلحة العامّة، فتكون المصلحة في هذا المثل مركّبة بالنّسبة إلى الشّخص، ولكنّها بالنّسبة إلى العموم عامّة بسيطة، وهنا نضطرّ إلى التّمييز بين المصلحة العامّة الأوّليّة بالنّسبة إلى الكلّ وبين المصلحة العامّة الثّنويّة بالنّسبة إلى الشّخص الّذي يتّخذ من المصلحة العامّة وسيلة لمصلحة شكليّة شخصيّة هي المصلحة الأوليّة له. فالأساس الاجتماعيّ للمصلحتين واحد هو خير المجتمع وهو وحده يوجد علاقة المصلحة الاجتماعيّة الثّابتة. ومهما يكن من الأمر في هذه المسألة فمصلحة المتّحد تظلّ قائمة لأنّها دائمة وهي تختلف عن مصلحة قريبة منها هي مصلحة الشّركة، فهذه المصلحة تقوم على أساس المصلحة الشّخصيّة البحت، وكلّ اعتباراتها العامّة مقرّرة بالمصلحة الشّكليّة لكلّ شخص فهي خصوصيّة قبل كلّ شيء، لأنّ غرضها خصوصيّ، معيّن ومحدّد. فإذا رجعنا إلى مثل الشّركة السّوريّة ــ الإنكليزيّة المتاجرة بصنف معيّن وجدنا أنّه متى وجدت شركة من هذا النّوع نفسها تجاه حالة لا تسمح بالإثراء الّذي هو غرضها، لم يبق للشّركاء أيّة مصلحة أخرى يجب اعتبارها، والشّركة تزول بزوال غرضها. الشّركة وسيلة مصالح خصوصيّة متماثلة. أمّا المتّحد فهو مجمع الحياة الاجتماعيّة. هو مقرّ الأحياء المتّحدين في الحياة بكلّ مصالحها. الشّركة أو الجمعيّة هي شيء جزئيّ أمّا المتّحد فشيء شامل كامل فيه تقوم جمعيّات من كلّ نوع وتزول وهو مرجعها. هو أكبر وأوسع من أيّة جمعيّة ومصالحة عموميّة وبعضها ثابت لا يزول إلاّ بزوال الحياة. باندثار المتّحد كما بنكبة من النّكبات.

يجب ألاّ يفهم من هذا الإيضاح أيّ تناقض بين ما نقوله هنا وبين ما قلناه في الفصل الخامس من أنّ رابطة الاجتماع الأساسيّة هي الرّابطة الاقتصاديّة. فيجب أن لا نتصوّر الرّابطة الاقتصاديّة عبارة عن عمليّة اقتصاديّة أو غرض من أغراض الرّبح الاقتصاديّ، بل مصلحة تأمين حياة الجماعة وارتقائها. ولذلك يمكننا أن نعدّ المصالح المتشابهة الجوهريّة من أهمّ المصالح الاجتماعيّة. فتأمين سدّ حاجة الجوع والبرد يسهل جداً في الاجتماع، وكلّ مجتمع لا يؤمّن سدّ هذه الحاجات لا يمكنه أن يثبت، ولهذا السّبب نرى الأفراد الذّين لا يجدون تأميناً لمصالحهم الحيويّة في متّحدهم يهجرونه حالما يتمكّنون من ذلك، إلى بيئة جديدة يجدون فيها غرضهم الأوّليّ. حيثما وجد متّحد كانت مصلحة حياة كلّ فرد من أفراده، مصلحة حياته العامّة، أولى مصالحه. إنّ مصالح الحياة هي مصالح كلّ متّحد، ولكن ليست مصالح أيّ متّحد مصالح كلّ متّحد لأنّ مصالح المتّحد ليست بيولجيّة فقط ، بل هي مصالح نفسيّة (عقليّة) ومصالح حيويّة نوعيّة أيضاً وقديماً ميّز أرسطو بين [الحياة] و[الحياة الجيّدة]
(217)، فإذا كانت مصالح الحياة الجيّدة كذلك، فإنّ مصالح الحياة الجيّدة هي الّتي تتنوّع وتتّحد بتنوّع المتّحدات وتحدّدها، مولّدة أنواعاً جديدة من الاشتراك في الحياة. ولكنّ جميع هذه المصالح لا تقوم إلاّ على أساس المصلحة الاقتصاديّة، وقد رأينا في درسنا [المجتمع وتطوّره] كيف ارتقى المجتمع وفاقاً لنجاح المصلحة الاقتصاديّة.

إذا كانت المصلحة الاقتصاديّة أساسيّة في كلّ مجتمع فهو لأنّها تخدم كلّ مصلحة أخرى حيويّة أو نفسيّة. والمتّحدات جميعها تتماثل في أنّ لها مصالح حيويّة ولكنّها تتفاوت في هذه المصالح وفي مصالح الحياة الجيّدة بالنّسبة إلى المرتبة الثّقافيّة والدّرجة الاقتصاديّة. ففي القبائل الّتي لا تزال على درجة الرّابطة الدّمويّة نجد المصالح القائمة على الحاجات الحيويّة العضويّة أكثرها من نوع المصالح الجنسيّة وهي المصالح الّتي تتعلّق بالزّواج والعائلة والنّسب، أمّا مصالح الحاجات الحيويّة اللاّجنسيّة، أي مصالح الطّعام والشّراب واللّهو وغيرها فهي بسيطة جداً من رعاية وجمع نبات وثمر. وأمّا مصالح الحاجات النّفسيّة (العقليّة) فقليلة وضعيفة جداً وهي تنحصر في بعض القصائد أو الأغاني وكلّها تدور على محور العلاقات الجنسيّة والحرب أو الغزو وفي الدّين الّذي يعني التّسليم لإرادة عليا أو لقوّة خارقة، للّه القدير العلاّم، خالق السموات والأرض. وجميع هذه المصالح عامّة في المجتمع الفطريّ ومتداخلة، فهي مركّب.

الحقيقة أنّ المصالح لا تتعدّد وتتعيّن إلاّ في المجتمعات الرّاقية وفي هذه المجتمعات تتحدّد المصالح وتولّد جمعيّات معيّنة. والمصالح وجمعيّاتها تتميّز وتتنوّع بحيث تجعل وحدتها أتمّ وأوضح.

في المتّحد الرّاقي نجد المصالح جميعها تتنوّع وتتعين بتنوّعها وتؤدّي إلى إنشاء جمعيات من كلّ نوع منها، تجمع كلّ جمعيّة الأفراد العاملين لمصلحتها. وهذه المصالح على ثلاثة أنواع: النّوع الأساسيّ وهو يشمل المصالح الحيويّة والمصالح النّفسيّة (العقليّة). والمصالح الحيويّة هي: أوّلاً: الجنسيّة، وجمعيّاتها العائلة في أشكالها. ثانياً: اللاّجنسيّة، وهي ما تعلّق بالغذاء واللّباس والمدرأ وتؤدّي إلى إنشاء الجمعيّات الزّراعيّة والصّناعيّة والتّجاريّة وجمعيّات الصّحة والطّبّ والجراحة. أوّلاً: المنطقيّة من علميّة وفلسفيّة ودينيّة وتهذيبيّة، وتتّحد في الجمعيّات العلميّة والفلسفيّة والدّينيّة، (الكنيسة) والتّربويّة. وفي المدارس والمعاهد التّهذيبيّة. ثانياً: الفنّيّة. وتتناول جمعيّات الرّسم والدّهان والموسيقى والتّمثيل والأدب. ثالثاً: المصالح الخصوصيّة، مصالح السّلطة والجاه. والعاملون لها ينشئون الأندية الخاصّة والجمعيّات العسكريّة والقوميّة. ثمّ تأتي المصالح الاقتصاديّة البحت (تمييزاً لها عن المصالح الاقتصاديّة الحيويّة الّتي تبعث الجمعيّات الحيويّة في نوعيها الجنسيّ واللاّجنسيّ) وهذه تتناول الجمعيّات الماليّة والتّجاريّة الكبرى والمصارف والشّركات المتّحدة [كالتّرسط] وغيرها، والاتّحادات التّجاريّة وجمعيّات المستخدمين وجمعيّات المستخدمين الخ. وتأتي في أرقى المراتب المصالح السياسيّة وأكبر جمعيّاتها، الدّولة، تشمل جميع مصالح المتّحد الأتمّ الّذي هو الأمّة ويتفرّع من الدّولة جمعيات أخرى أصغر منها تختصّ بالمتّحدات الّتي هي أصغر من الأمّة هي الحكومات المحليّة للمناطق والمدن. وبعد الدّولة نجد الأحزاب السّياسيّة الّتي هي جمعيات تختصّ بمصالح الفئات. ثمّ تأتي الجمعيّات السّياسيّة للقيام على مصالح معيّنة. ثمّ الجمعيّات القانونيّة والقضائيّة وغيرها. وهنالك أيضاً المصالح الاجتماعيّة العموميّة وهي تشكّل جمعيّات التّعارف والصّحبة وأندية السّمر والتّسلية البريئة أو المفيدة.

هذه صورة غير تامّة من مصالح أيّ متّحد راق وهي على ما بها من نقص تمثّل جلياً بعد المرحلة بين مصالح الجماعات الفطريّة والمجتمعات المتمدّنة الرّاقية. وكلّما ارتقى المتّحد في ثقافتيه الماديّة والعقليّة ازدادت المصالح المعيّنة الّتي من شأنها ترقية الحياة الجيّدة وتجميلها.

قد ع&#