الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية

     

 

الفصل الخامس : المجتمع وتطوّره

 

المجتمع البدويّ أو المتوحّش:

رأينا في ختام الفصل السّابق أنّ الاجتماع البشريّ يقسم إلى شكلين رئيسيّين: الاجتماع الابتدائيّ (primitive) والاجتماع الراقي(68) والشّكل الأوّل هو من خصائص السّلالات الأوّليّة والشعوب المنحطّة المتبديّة من السّلالات الراقية. والشّكل الثّاني هو من خصائص السّلالات الّتي أنشأت المدنيّات أو أخذت بها. ومن هذه القسمة التّصنيفيّة الّتي تقودنا إليها الملاحظة الدّراسيّة، نرى أنّ النّوع البشريّ يظهر، من الوجهة الاجتماعيّة، بمظهرين متباينين نوعاً، ومتمّيزين دائماً هما مظهر المجتمع المتوحّش أو البدويّ ومظهر المجتمع العمرانيّ أو المتمدّن.

والتّوحّش أو البداوة إحدى حالتين، إمّا حالة وقف التّطوّر والجمود، وهي حالة السّلالات الأوّليّة المتوحّشة. وإمّا حالة التّطوّر نحو الانحطاط إن بعامل انحطاط البيئة كما هو الرّاجح في بلاد العرب(69) وإن بعامل الرّجوع إلى حالة معيّنة كالصّيد ورعاية الماشية أو نحو ذلك(70). ومهما يكن من الأمر فإنّ الاستقرار على حالة التّوحّش والبداوة يخرج المجتمع المتوحّش أو البدويّ من دائرة التّطوّر بالمعنى الصّحيح ويكاد يخرجه من نطاق هذا الفصل. ولكنّ رغبتنا في جعل البحث أتمّ وأوفى بالغرض يجعلنا نتناول حقائق هذا المجتمع قبل أن ننتقل إلى المجتمع العمرانيّ المتطوّر الّذي سيستغرق كلّ عنايتنا في سياق هذا الفصل والفصول التّالية.

إذا كان المجتمع المتوحّش أو البدويّ لا يتطوّر تطوراً بالمعنى الصّحيح فلا شكّ في أنّه حالة من حالات التّطوّر البشريّ الاجتماعيّ لها خصائصها الّتي يحسن بنا أن نفهمها.

 

خصائص المجتمع البدويّ:

لا بدّ لنا، قبل الخوض في موضوع هذا الفصل، من تقرير حقيقة ضروريّة لفهم تركيب المجتمع والأحوال الاجتماعيّة على إطلاقها وفي أكثر أشكالها تعقّداً، هي حقيقة الضّرورة الاقتصاديّة للاجتماع البشريّ. فالرّابطة الاقتصاديّة هي الرّابطة الاجتماعيّة الأولى في حياة الإنسان أو الأساس الماديّ الّذي يقيم الإنسان عليه عمرانه فلا نستطيع أن نتصوّر مجتمعاً يقوم على غير أساس التّعاون الاقتصاديّ لسدّ الحاجة مداورة تعويضاً عن نقص وجود المادّة المحتاج إليها وقد أشرنا إلى هذه الحقيقة في بداءة الفصل الثّالث. ونزيد هنا أنّ كيفيّة تركّب الإنسان تجعل حياته تتوقّف على سدّ حاجاته مداورة، أي بالعمل والواسطة، فهو دائماً مضطرّ لإرضاء دافع الارتقاء والتّعويض عمّا فقده من سرعة الجولان وقوّة الوثب وتكوّن المخالب بإعداد أداة الدّفاع والصيّد والمعزق. وهذا يتطلّب منه التّعاون في الصّناعة وفي السّعي لمطاردة الفريسة والإيقاع بها وفي الزّراعة. ولأبن خلدون بحث قيّم في التّعاون في مقدّمته المشهورة. فالاقتصاد هو نقطة الابتداء في بحث حالات الاجتماع حتّى إنّنا نرى الحالة الاقتصاديّة تؤثّر على الحالة البيولوجيّة أحياناً(71). والتّطوّر الاجتماعيّ هو دائماً على نسبة التّطوّر الاقتصاديّ.

يمكننا الآن أن نتقدّم بارتياح إلى النّظر في خصائص أو مزايا المجتمع البدويّ والمتوحّش. وأولّ ما نلاحظه في هذا المجتمع أنّ مستواه الاقتصاديّ لا يزال على درجة ابتدائيّة بحت فهو لا يعلو عن درجة سدّ حاجة الحياة مباشرة إلاّ قليلاً. ومن مظاهر هذه الدّرجة فقدان الصّناعة أو وقوفها عند حدّ صنع بعض الأدوات الضّروريّة، خصوصاً الخشبيّة منها، كالأوتاد والرّكائز والعصيّ وجدل بعض الأعشاب والنبّاتات لسقوف وحيطان الأكواخ (الجماعات الأوّليّة)(72) ونسج الوبر والشّعر للخيم وبعض اللّباس (الجماعات المنحطّة المتبدّية) وأسباب عيش الجماعات التي على هذه الدّرجة تقتصر على الضّروريّ ويندر أن تتعدّى إلى الحاجيّ فضلاً عن الكماليّ(73). فكثير من الجماعات الأوّليّة تطلب سدّ الحاجة مباشرة أو بمداورة قليلة. وحاجاتها تقف عند حدّ الحصول على البلغة ونقع الغلّة ومدرأ واق من العوارض الجوّيّة وغدر الحيوانات المفترسة. وعلى ما يقارب هذا الجماعات المنحطّة المتبدّية. وهمّ مثل هذه الجماعات هو غالباً في الصّيد وجمع القوت النّباتيّ النابت من تلقاء نفسه (عمل النّساء) وزرع بعض الحبوب على كيفيّة أوّليّة رديئة. وفي شرقنا الأدنى نرى العرب يسدّون حاجاتهم المعاشية مباشرة أو بما يشبه المباشرة كتناولهم لبن النّوق والتقاطهم التّمر. وتربية الجمال أهمّ شؤونهم الاقتصاديّة وترتقي حياتهم إلى رعاية الماشية وتربية الخيل. وبيوتهم شعر ووبر وكذلك لباسهم. ويجمعون إلى ذلك زراعة أوّلية يتولاّها أهل المدر منهم.

وأحوال هذا المجتمع، أو الجماعات، الاجتماعيّة هي بحكم الضّرورة متابعة لأحوالهم الاقتصاديّة ومطاوعة لها. فنظامهم الاجتماعيّ يقوم على الرّابطة الدّمويّة المنتهية بالقبيلة. والفرد في هذا النّظام ككلّ فرد آخر بدون فرق أو ميزة، أي إنّ قيمته هي في الغالب عدديّة عامّة لا نوعيّة خاصّة، لأنّ فقد العمران ونقص المطالب الحاجيّة والكماليّة يبطلان المواهب الشّخصيّة وينفيان المزايا الفرديّة، وكذلك نرى أنّ نظامهم يخلو من الحقوق الشّخصيّة والملك الفرديّ وإذا وجد شيء من ذلك فهو في صورة أوّليّة غامضة. ومن درسنا أحوال العرب الذين هم في جوارنا نرى أنّ الفرد لا يكون عندهم سوى وحدة عدديّة في القبيلة سواء في ذلك أهل الوبر وأهل المدر، والانتساب إلى إحدى القبائل هو ضرورة(74). ومن هذه الحقيقة ندرك أهميّة الثّأر الّذي يعني حقّ القبيلة لا حقّ الفرد كما سيجيء ويرى فقدان الملك الشخصيّ عندهم في أنّ الفرد لا يمكنه الاعتماد على نفسه في الدّفاع عن الممتلك وفي أنّه إذا فقد أحد مقتنياته توجّب على بقيّة أفراد القبيلة أن يعطوا كلّ واحد من ماله ما يعوّض على الرّجل خسارته(75).

ونوعا هذه الجماعات الأوّليّ والبربريّ يشتركان في العادات الاجتماعيّة والأذواق بحكم مستوييهم الاقتصاديّين المتقاربين. فترى الضّيافة الّتي تفرضها عليهم أحوال معاشهم صفة عامّة عندهم على السّواء وكذلك تعاملهم فيما بينهم، وخصوصاً معاملتهم المرأة(76). وما يروى، مثلاً، عن كرم العرب وفروسيّتهم والشّعور بالشّرف عندهم وضيافتهم، يروى مثله عن أهل بلاد النّار (تراد لفويقو) وهنود أميركا والفيجيين والطنقوسيين(77) فهذه الصّفات المشتركة تظهر بقوّة في الشّعوب الّتي لمّا تحرّكها الثّقافة الزّراعيّة التجاريّة وساعدتها أحوال معاشها الضّيّقة على حصر قواها النّفسّية في بعض المظاهر المحدودة. ونرى أذواق هذه الجماعات مشتركة حتى في الطّعم. فهم، لجوعهم، يزدردون الطّعام بطريقة لا تسمح بالتّلذّذ به على حدّ الجماعات الرّاقية، حتّى إنّ بعض العلماء يذهب إلى جعل درجة لذّة الطّعم في عداد الفوارق بين الأقوام الأوّليّة والشّعوب الرّاقية، وجميع هذه الجماعات أو المجاميع لا تعرف توزيع العمل الّذي هو من خصائص المجاميع المتمدّنة(78). ومهما ارتقت اجتماعيّة هذه الجماعات فهي لا تبلغ إلى هذه الدّرجة العالية الممثّلة، في المجتمعات المتمدّنة، بالجمعيّات وسائر المؤسّسات الّتي تمثّل بدورها الأعمال الذّاتيّة والأفكار الحرّة الصّادرة عن الأفراد الّذين يؤلّفون المجموع المتمدّن، وتمثّل، فوق ذلك، النّفسيّة الفاعلة في المجموع ونوع روحيّته الاجتماعيّة. وبالإيجاز نقول إنّ أغراض الجماعات الأوّليّة المتوحّشة والجماعات البربريّة المنحطّة أو المتأخّرة محدودة جداً بالنّسبة إلى أسباب سدّ الحاجة المعاشيّة مباشرة أو مداورة إلى مدى محدود. وفي حين أنّ أفعال مؤلّفي هذه الجماعات الاجتماعيّة محدودة نرى أنّها لا تتناول مطلقاً الأفعال السياسيّة أو، على الأقلّ، الأفعال السياسيّة النّظاميّة. وهذا، من الوجهة العامّة وبالاختصار، هو المستوى الاجتماعيّ الّذي وقفت عنده الجماعات الأوّليّة والجماعات المنحطّة أو المتبدّية أو المتأخّرة من السّلالات الرّاقية العمرانيّة. وسنرى لمحة أخرى من هذا المجتمع في الفصل التّالي.

 

المجتمع السّابق العمران وتطوّره.

لا مشاحة في أنّ المجتمع العمرانيّ، أو مجتمع السّلالات العمرانيّة الآسيوريّة (الآسيويّة الأروبيّة)، لم ينشأ منذ البدء مع أوّل نشوء هذه السّلالات الرّاقية، بل نشأ مع تطورّ جماعات هذه السّلالات وحين بلوغها الدّرجة العمرانيّة الّتي هي درجة الزّراعة والإقامة في الأرض. ويحسن بنا هنا أن نمهّد لدرس تطوّر المجتمع العمرانيّ خاصّة باستعراض التّطوّر البشريّ الاجتماعيّ العامّ منذ البدء الّذي أمكن العلوم الاجتماعيّة، أو الّتي تدرس حياة الإنسان ومنشأه وخصائصه، استقصاءه.

 

التّطوّر الثّقافيّ السّابق التّاريخ:

ولا بدّ لنا، لجعل هذا الاستعراض تامّاً أو غير مبتور، من الابتداء مع نشوء الإنسان. إذ ما المجتمع الإنسانيّ العصريّ المتمدّن إلاّ نتيجة أو حاصل الثّقافات المتوالية على الإنسان التي ولّدها التّفاعل المستمرّ بين الإنسان وبيئته.

ولقد مرّ معنا في الفصل الثّالث(79) أنّ الإنسان هو الوحيد من بين جميع الكائنات الحيّة الّذي أمكنه إيجاد علاقة تفاعليّة مع الطّبيعة، وخصوصاً مع بيئته. وما ذلك إلاّ بإجابته على مطالب البيئة بنموّ الجهاز الّذي أعطاه أن يعقل الطّبيعة: الدّماغ. إنّ عقل بعض الأشياء المحيطة ممّا قد توصّل إليه بعض القرود العليا. فالشمّبنزي، مثلاً، يعرف كيف يستخدم أغصان الشّجر لبناء بيوت له ليست أسمج ممّا تبنيه القبائل المتوحّشة(80) ولكنّ عقل الطّبيعة أو العقل المطلق الّذي سمّي به الإنسان الحقيقيّ الـ [
Homo Sapiens] هو الشّرط الّذي لا بدّ من تحقيقه ليصبح التّفاعل ممكناّ وهو الشّرط الّذي تحقّق في الإنسان العاقل وبتحقّقه أخذت الصّلات التّفاعليّة تتوثّق بين الإنسان والطّبيعة عن طريق البيئة أوّلاً.

وممّا لا شكّ فيه عند العلماء أنّه قد سبق عصر الـ
Homo Sapiens عصر الـ Homo Primigenius المطلق على الـ Homo Neandertalensis وسبق هذا الـ Homo Heidelbergensis وقبل هذا كان الـ Anthropus وهذه الأسماء تعني لعلماء الإنسان أشكالاً مخصوصة تدلّ على أطوار ليس من شأن موضوعنا الدّخول فيها ولذلك فضّلنا أن نسمّي عصر الـ Homo Sapiens عصر التّفاعل وما قبله عصر الاحتكاك. ويظهر أنّ الاحتكاك ابتدأ من الدّرجة الّتي نجد الشمّبنزي عليها اليوم، أي من درجة عقل بعض الأشياء المحيطة واستخدامها. وقد لا تكون هذه الأشياء الأغصان المتّخذة لبناء العرازيل، كما يفعل الشمّبنزيّ، إذ يرجّح أنّ النّوع القرديّ المجهّز بالاستعداد للتّطور نحو الإنسانيّة لم يكن يقطن الغابات الّتي لا تساعد على تولّد الخصائص الإنسانية كتحرير الذّراعين والمشي على القدمين. ويظهر أنّ الاحتكاك ارتقى إلى تناول النّار واستعمالها لأغراض متعدّدة(82)، وأنّ فجر الإنسانية مقرون بفجر الثّقافة الإنسانيّة وهو ما يسمّى عند علماء الإنسان بالزّمن الأيوليثي، أي زمن الأثافيّ الّتي لمّا يمكن الجزم في هل أشكالها وكسورها من صنع الإنسان أم من الطّبيعة(82). فاستعمال النّار هو الخطوة الفاصلة الّتي عيّنت للإنسان السّابق اتجاهه.

وأهميّة النّار العظيمة لحياة الإنسان وارتقائه هي في كونها عاملاً اقتصاديّاً كبير النّتيجة حتّى في ذلك العهد السّحيق. فلا بدّ أنّها خدمت الإنسان السّابق في صدّ السّباع المفترسة عنه وفي الإنارة له ليلاً وفي تدفئته وشيّ لحم فرائسه فجذبته إلى حرارتها وضوئها وأوجدت لذّة في تجمّع قطعانه حولها، وهي لذّة مصحوبة بالاطمئنان. واللّذّة والاطمئنان وتوفير الجهد والنّصب هي الضّرورات الّتي يؤدي حصولها إلى تولّد الاحساسات النّفسّية الفرديّة والاجتماعيّة حيثما كان ذلك ممكناً في الكائنات العليا. ولعلّ هذا الاطمئنان قرب النّار هو السّبب في تحويل علاقة الذّكر والأنثى من عمل بيولوجيّ بحت يقتصر على فصل اللّقاح إلى حالة اجتماعيّة لها خصائصها النّفسيّة. ولا شكّ في أنّ النّار قوّت الرّابطة الاجتماعيّة في الإنسان السّابق ومهّدت له كثيراً إظهار استعداده للارتقاء فساعدت كثيراً على نشوء النّطق الّذي يعدّه لتزرس قيقر(83) أبا العقل. ومهما يكن من أمر تقديرنا نشوء النّطق فلا بدّ لنا من التّسليم بأنّ النّطق وحده كفل تحويل الاكتشافات والاختبارات التّطوريّة الأوّليّة إلى معارف اجتماعيّة وراثيّة (اجتماعيّاً). أعدّت النّار الإنسان السّابق لدخول العصر الحجريّ(84) الّذي هو بدء الإنسان الّذي ولّى الحيوان ظهره وبدء الثّقافة الإنسانيّة. ومنذ تلك العصور المتطاولة في القدم لم تفارق النّار الإنسان ولا قطع الإنسان صلته بها.

كان الإنسان السّابق صيّاداً قبل كلّ شيء وكان أهمّ طعامه لحم طرائده ويحتمل أنّه كان يقتات أيضاً ببعض الأعشاب والثّمار. وهذا كان الإنسان الهيدلبرغي المنبثق من الحيوانيّة العجماء. ولا بدّ أنّ الإنسان الآخذ في التّقدّم بفضل النّار واستعداده الخاصّ أخذ يتنبّه للأشياء المحيطة به الّتي أكثر من تلمّسها وأخذها بيده ــ إلى الأحجار الّتي قد يكون استعملها عن غير عمد. وبفضل تطوّر دماغه أخذ يشعر بعلاقة أشياء بأشياء في حاجاته وقد يكون قاده ذلك، كما هو الأرجح، إلى حمل مشعل بيده وحمل حجر أو هراوة باليد الأخرى. ولكنّه كان إلى الحجر أحوج، لأنّه كان يستعين به على شقّ الحيوان وسلخه وتقطيعه بعد قتله. فاضطرّه ذلك إلى العناية بالحجر فاتّخذ منه أدواته. ومن صناعته هذه الأدوات نستطيع أن نتتّبع ثقافة الإنسان منذ ابتدائها. والحقيقة الّتي نستخرجها من درسنا أدوات الإنسان السّابق الحجريّة هي أنّ هذه الأدوات استغرقت كلّ عناية الإنسان ومجهوده العقليّين. وهو بديهيّ من ذكرنا ما مرّ معنا(85) من أنّ حياة كلّ كائن حيّ تجري ضمن المثّلث: الجسم ــ النّفس ــ المحيط ، وأن حفظ الحياة الفرديّة، مضافاً إلى حفظ النّوع، وأنّ حفظ الاجتماع مضافاً إلى حياتي الفرد والنّوع، تقتضي جميعها تأمين حصول الغذاء الموجود في الطّبيعة بتأمين وسائل الحصول عليه. ولا يمكننا أن نتصوّر حياة فرديّة أو اجتماعيّة بدون غذاء. ولذلك قلنا إنّ رابطة الإنسان الاجتماعيّة الأولى هي الرّابطة الاقتصاديّة.

وظلّ الإنسان السّابق يرتقي في هذا الزّمان الاحتكاكيّ ترافقه النّار ويظهر مهارته الفطريّة في تقطيع الأحجار وتحسين أشكالها وشحذ حافّاتها لتفي بغرضه، ولم يكن له حينذاك من عمل [إنسانيّ] غير هذا العمل. وظلّت صناعة الأحجار ثقافته الوحيدة طول الحقب المبتدئة من الحقبة الشّليّة الدّنيا إلى الشّليّة العليا إلى الأشوليّة، التي خلف فيها الإنسان النيندرتالي الإنسان الهيدلبرغي، إلى المستريّة الدّنيا إلى المستريّة العليا الّتي هي نهاية الإنسان النيندرتالي، أو على الأرجح الشّكل النيندرتالي
Homo Neandertalensis Primigenius. وهذه الحقب تعادل نحو 250000 سنة من الزّمان الجليديّ(86). وعند هذا الحدّ ينتهي القسمان الأوّلان من العصر الحجريّ السّابق وبنهايتهما تتمّ مدة الاحتكاك.

ليس لنا من أدّلة اجتماعيّة إنسان هذه العصر الاحتكاكيّ ونفسيّته سوى آثار مواقده وبقاياه العظميّة وأدواته الحجريّة وكلّها تدلّ على حالة الخروج من الحيوانيّة وبدء الإدراك وانحصار الأعمال الإنسانيّة في الاشتغال بأدوات الفتك. ولا شكّ في أنّ نفسيّته كانت لا تزال في بداءة وعيها. أمّا اجتماعيّته فلم تكن نوعيّة مطلقة، إذ أنّ تنقيبات قريانفتش ــ كرامبرقر 1905 - 1899 (87)(
Gorjanovic. Kramberger) في كرابينا من أعمال كرواطية دلّت على أنّ الإنسان النيندرتالي كان يأكل نوعه. وحالة معيشته كانت على درجة سدّ الحاجة مباشرة.

يدخل القسم الحديث من العصر الحجريّ السّابق فنجد الإنسان قد حقّق ارتقاء جديداً في شكله وثقافته أكسبه اسم الإنسان العاقل الـ
Homo Sapiens. وبدخول هذا القسم يبتدئ عصر التّفاعل. فالإنسان يظهر منذ بداءة هذا العصر أنّه ابتدأ يدرك طبائع الموادّ المحيطة به. فهو قد حسّن أدواته الحجريّة تحسيناً كبيراً واخترع أدوات جديدة من العظم ونوّع الجميع لمختلف الأغراض. وقد فسح له هذا الارتقاء الاقتصاديّ المجال لبروز الحاجات النفسيّة مع الإدراك فأخذ الإنسان ينقش في الطّبيعة ويحفر في كهوفه، على الحيطان، وعلى الأدوات العاجيّة والعظميّة رسوماً جميلة تدلّ على سلامة ذوق، وقام بقسط كبير من صناعة النّصب. ومع ذلك فإنّنا لا نجد تغيّراً خطيراً في وسائل سدّ الحاجة. فالإنسان لا يزال صيّاداً وإن كان قد حسّن عدّة الصّيد باختراع القوس والسّنان للرّماية. وقد يكون أضاف إلى صيد حيوان البرّ صيد حيوان البحر. ولا نرى أيّ تطوّر خطير في ثقافة أوائل العصر الحجريّ اللاّحق، ولكنّنا نلاحظ أنّ هنالك بداءة جديدة لأشكال الإنسان العاقل تجعلنا نسميّه [الإنسان العاقل الحديث] Homo Sapiens recens تمييزاً له عن إنسان العصر الحجريّ السّابق، الإنسان العاقل المتحجّر Homo Sapiens fossilis ونرى أنّ الصّناعة الصّغرى ارتقت. ويعرف هذا الطّور عند العلماء بالطّور الأزيليّ، نسبة إلى Mas d'azil
. ولكن لا يكاد هذا الطّور ينتهي ويبتدئ الطّور الثّاني الكمبينيّ، حتّى نلاحظ ظاهرة جديدة خطيرة هي ظاهرة تدجين الحيوان باقتناء الكلب ونلاحظ أيضاً أنّ الأدوات الحجريّة تتّخذ وجهة أغراض جديدة، فنجد بعضها خشناً قاسياً ــ ولعلّه لغرض العزق أو الحفر في الأرض ــ ونجد بينها الفأس الحجريّة وإذا بنا في مدخل العصر الحجريّ المتأخّر المتصّل بعصرنا الحاليّ في بعض السّلالات الابتدائيّة.

في مجرى هذين العصرين الحجريّين اللاّحق والمتأخّر تمّ نطق الإنسان وارتقى إلى مرتبة لغة وارتقت أحوال معاشه بتدجين الحيوان والتّنبه لطبائع المادّة ولكنّها ظلّت على مستوى سدّ الحاجة مباشرة، الأخذ ممّا تقدّمه الأرض من حيوان ونبات بريّ، وفوقها قليلاً إذ نرى ابتداء النّسيج وصناعة الخزف. والرّابطة الاجتماعيّة هي الرّابطة الدّمويّة، رابطة القبيلة.

وهذان العصران، بالنّسبة إلى العصر الحجريّ السّابق، قصيران. ونعلم أنّ زمانهما كان يختلف باختلاف البقاع والأقاليم، كاختلاف مراتب العصر الحجريّ السّابق، على الأرجح. وممّا لا شكّ فيه أنّه بينما كانت أوربة في إبّان العصر الحجريّ المتأخّر وكان بعض مناطقها الشّماليّة (سكندينافية) لا يزال في بدء هذا العصر، إذا بالعصر المعدنيّ ينبثق في سورية ــ (بلاد الكلدان ــ بابل وأرض كنعان) ــ وفي مصر.

حتّى العصر المعدنيّ كانت الثّقافة البشريّة عامّة تناولت النّوع الإنسانيّ بكامله. فجميع البشر كانوا صيّادين وصانعي أدوات حجريّة وجامعي القوت النّباتيّ ممّا تقدّمه الأرض الكريمة. ولكن لمّا حصل الاتجاه الزّراعيّ في العصر الحجريّ المتأخّر القصير الأمد ظهر عامل جديد في ترقية حياة البشر لم تشترك فيه جميع سلالاته أو شعوبه. ومع الزّراعة والاشتغال بالمعادن يرتقي عصر التّفاعل إلى ما نسميّه التّفاعلّ العمرانيّ أو الثّقافة العمرانيّة.

 

الثّقافة الأوّليّة والثّقافة العمرانيّة:

تقتصر الثّقافة الأوّليّة على.

1) إقامة النّسل.

2) والسّعي وراء الرّزق بالمعنى الحرفيّ.

أمران ينتج عنهما نظام اجتماعيّ أوّليّ محدود، كما رأينا في خصائص المجتمع البدويّ، بل دون ما ذكرناه هناك.

أمّا الثّقافة العمرانيّة فتقوم على

1) إقامة النّسل.

2) تحصيل الرّزق واستدرار موارده.

3 ) التنظيم الاجتماعيّ الاقتصاديّ.

ثلاثة أمور تتوّج بالحياة العقليّة المشتملة على المنطق والأخلاق وسلامة الذّوق. وهي هذه الحياة، الّتي ابتدأها بعض الشعوب السّاميّة ووضع السّوريون أساسها الرّاسخ. ما يعطي المجتمع المتمدّن قيمته ومزاياه والمدنيّة الحديثة أبرز صفاتها وأثمن كنوزها.

ومع أنّ الزّراعة هي أساس الثّقافة العمرانيّة فالزّراعة ليست نوعاً واحداً، بل أنواعاً. والثّقافة العمرانية المؤسّسة عليها هي مراتب:

1) ثقافة المعزق (
Hoe) = زراعة المعزق.

2)     أـ ثقافة المحراث = زراعة المحراث.

     ب ـ ثقافة البستان = زراعة البستان.

3) ثقافة الإنتاج التّجاريّ = زراعة المحاصيل وإنشاء الصّناعات وإعداد الحاجيّات والكماليّات.

والمرتبتان الأوليان هما إفراديّتان وعائليّتان ترميان في الدّرجة الأولى، أو هما تنتهيان إلى كفاية الفرد أو العائلة ولكنّهما تستدعيان اهتمام الفرد أو العائلة الدائم. وزراعة المرتبة الأولى أوليّة تقتصر على قلب سطح الأرض بمعزق بشكل عصا محدّدّة وتغيير مكان الزّرع كلّ مرّة. وهي لا تعطي إلاّ الضّروريّ. ولا تسمح في أرقى درجاتها والانصراف إليها أو التّعويل عليها بعمران وكثافة سكّان مدنيّة. وقد تبلغ الكثافة حدّاً يسترعي الاهتمام ولكنّها تكون كثافة متقطّعة متفرّقة لها مراكز تفصل بينها قطع واسعة من الأرض المقفرة. ففي السّودان تقتصر الزّراعة على التّربة الّتي هي من الرّخاوة بحيث يكفي قلبها بعصا الزّراعة لطمر الحبّة. فتقتضي القرية الواحدة ثلاثة أضعاف المساحة الّتي تزرعها في المرّة الواحدة لأنّ إفقار التّربة المتروكة بدون سماد يدعو إلى طلب التّعويض بالمساحة(88).

والمرتبة الثّانية هي التي بلغتها الشّعوب الساميّة منذ أقدم عصورها المعروفة وهي المرتبة التي تحاول سورية الآن الخروج منها إلى المرتبة الثّالثة، وهي أساس هذه المرتبة الأخيرة.

وأهمّ الأطوار الّتي مرّ بها القسم أ. من هذه الثقافة هي(89):

أــ الحراثة بالحرق وهي الزّراعيّة الكلأيّة الناتجة عن المجهود الأوّل لإنقاذ التّربة من الحرجات البكر. ولا يستعمل في هذه الزّراعة سماد سوى رماد الأشجار المحروقة أو سماد البقر التي ترعى في المكان عينه. وأكثر تقدّماً من هذا الطّور طريقة:

ب ــ نظام الحقل حيث تقسم الأرض الصّالحة للزّراعة غالباً إلى ثلاثة حقول، حقل يبقى بوراً ويزرع الثّاني حبوباً صيفيّة والثّالث حبوباً شتويّة. وشبيه بهذا:

ج ــ زراعة المرج إذ تختلف إلى الأرض بضع سنوات من العشب وبضع سنوات من زراعة الحبّ(90)، وأرقى من هذه جميعها:

د ــ زراعة الدّورة التّامّة، وهي تتطلّب تصنيف النّبات إلى ما يزيد في ثروة التّربة وقوّتها كالتّبغ وغيره. وإلى ما يفقرها ويستنفذ قوّتها كالحبوب والنّباتات الزّيتيّة فتتوالى زراعة هذين الصّنفين في دورة تامّة على الأرض، وهذه الدّورة الزّراعيّة التّامّة تتطلّب العناية بها زيادة في العمل والرّسمال والتّحسين الزّراعيّ للأرض.

والقسم ب ــ من هذه المرتبة، ثقافة البستان (أو هي ثقافة المرّ)، يشتمل على أرقى أنواع الزّراعة والعناية بالتّربة على الإطلاق. وفي مقدور هذه الزّراعة أنّ تقوم بأود مجتمع كثيف السّكان، كما هي الحال في الصّين(91). و ج. أ سمعان(92) يبرز لنا صورة من هذه الثّقافة. والصّورة من قرية ونغ ــ مو ــ في الصّينيّة. عدد سكانّها 10.000 يعيشون على 3.000 فدّان (أكر). ويسكن في كلّ منزل من منازلها عائلة اتّحاديّة لا تقتصر على الآباء وأبنائهم بل تتناول الجدود والآباء والأبناء والأحفاد مجتمعين والملك أو البستان مشترك بينهم. فالعائلة الاتّحاديّة من هذا النّوع المؤلّفة من نحو اثني عشر شخصاً تجد ــ في قطعة من بستان لا تزيد على خمسة فدادين (أكر) من الثّمار الوافية بمطالب العيش ــ مقوّمات كافية. وهذا الإنتاج الكبير عائد إلى حسن الرّيّ والتّسميد والعمل.

إذا أمعنّا النّظر في كلّ مرتبة من المراتب المتقدّمة وجدنا أنّ الأولى منها ابتدائية جدّاً في العمران فهي لا تدخل في نطاق الثّقافة العمرانيّة إلاّ من حيث إنّها طور تمهيديّ لها والصّحيح أنّ أهل هذه الثّقافة يدخلون في المجتمع البدويّ الّذي وصفناه آنفاً. فإذا كان لهم حياة عقليّة فهي محدودة جدّاً. وهم خارج نطاق شعوب آسية وأوربة المتمدّنة. فبين الشّعوب الّتي لها إلمام وقسط من هذه الزّراعة، بعض هنود أميركا الشّماليّة كالموهكان والأركوى والبنكا والمندان وغيرهم، وبعض هنود أميركا الجنوبيّة أيضاً كالبكايري والقواراني في البرازيل. وهم يمارسون إلى جانبها الصّيد. وسكّان جزائر المحيط الهادي وجزائر المحيط الهنديّ يمارسون هذه الزّراعة مع صيد السّمك. وزرّاعو أفريقيا الّذين لا يدخلون في عداد الصّيادين والرّعاة تقوم حياتهم على هذه الزّراعة فقط كقبائل زمبازي ومكلاكه ونيام ــ نيام وغيرها(93). والسّبب في بقاء هذه المرتبة خارج نطاق العمران نسبة العمل إلى مقدار الحاصل الغذائيّ. فالاقتصاد لا يعني حقيقة سوى سدّ الحاجة أو تأمين سدّها بأقل مجهود وأسرع وأكبر نتيجة ممكنين. وهذا النّوع من الزّراعة لا يوفّر مجهوداً يستحقّ الذّكر فحاصله قليل وأهله مضطرون إلى الاهتمام دائماً بالضّروريّ من أسباب العيش.

لا نرى للعقل منفذاً إلى الحياة الفكريّة والعلميّة إلاّ مع المرتبة الثّانية ففي هذه المرتبة نجد الزّراعة المعروفة في نطاق المدنية الآسيوريّة. وهي الزّراعة الحضريّة بمعناها الصّحيح. ومع أنّ نطاقها بالأكثر فرديّ أو عائليّ، بحيث يقصد منها تموين العائلة وبيع ما يفيض عن المؤونة لشراء الحاجيّات بثمنه، فهي تعلو كثيراً عن الزّراعة المعزقيّة بأنّها أفضل لغرض الخزن. والخزن أو الهري فارق أساسيّ للزّراعة بمعناها العمرانيّ عن الزّراعة الأوّليّة. [الزّراعة كانت أسلوب العيش الوحيد الّذي مكّن النّاس منذ البدء، من أن يحيوا معاً في مكان معيّن وأن يحشدوا فيه مقوّمات الحياة]. هكذا يقول دلا بلاش(94) ويز