أيها القوميون الاجتماعيون

إن المجتمعات البشرية الحية ليست كتلاً من ماء، ليست قطعاً مادية تستعمل، إن المجتمعات البشرية الحية هي قوة حياة فاعلة تثبت وجودها وحقيقتها بمراميها السامية وبأفعالها المعبرة عن نفوسها العظيمة السامية. والمجتمع القومي الاجتماعي هو هذه القوة الحقيقية الفاعلة المثبتة وجودها بإراداتها وبما تشعر في نفسها من زخم يريد أن يبلغ أرقى المرامي وأسماها.

وهذا المجتمع في هذه الصفة هو ما عبرت عنه وكررت أنه الأمّة السورية مصَّغرة فيه.

لماذا أنتم الأمة السورية مصغرة؟ لأنكم أنتم تمثلون حقيقة الأمة وتعبرون بمبادئكم عن القضية التي تحملونها في قلوبكم وعن إرادة الأمة وعن غايتها العظمى. والمجتمع الذي لا غاية له هو مجتمع لا مكان له في الحياة. وإذا كان للأمة السورية مكان في الحياة اليوم، اعترف به المكابرون ام لم يعترفوا، واعترفت به ارادات أجنبية أم لم تعترف - إلى أن يحين وقت إعترافها - فلأن هذه الأمة موجودة على الرغم من كل ذلك. هي موجودة لأنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي موجود، وهو يعبر عن هذه الحقيقة. الحزب السوري القومي الاجتماعي يعبر عن حقيقة الأمة وعن غايتها العظمى في الحياة وهو من هذه الناحية قد رفع مستوى هذه الأمة، قد رفع الشعب السوري من التخبط في الغايات الجزئية والحزبيات المتنافرة إلى مستوى حقيقة موحدة، إلى مستوى مجتمع حي، موحّد في غايته العظمى فرفع قيمة هذه الأمة في أعين العالم. والحزب القومي الاجتماعي قد فعل هذا الفعل العظيم وهو يُحَارب محاربة عنيفة حتى من الذين حمل كل الآلام في سبيلهم وكسر بصدره كل ما يعترض الطريق من أجل عزّهم. قد حورب من جميع الفئات في الشعب التي حمل جميع الصعوبات وتعذب وتألم وحارب وحيداً من أجل أن يجعل لها محلاً عالياً بين الأمم الحية.

الحزب القومي الاجتماعي لا يمثل في هذه البيئة لا غايات خصوصية ولا منافع ومآرب شخصية. بل يمثل بذاته الغاية العظمى التي يقول كلّ قومي اجتماعي إنّه لا شيء تجاهها ومن أجلها والتي يجد كل قومي اجتماعي نفسه فيها، في عزّ أمّته وشرفها، لا يريد عن ذلك بديلاً.

الحزب القومي الاجتماعي هو كما قلت تعبير عن إرادة حياة لا يمكن أن يصدّها شيء في الوجود، وهو في جهاده وعمله يعلن حقيقة سامية في هذا الوجود، هي الحياة. وما هي الحياة؟ الحياة عزّ وشرف. الحياة ليست سيارات، الحياة ليست مقتنيات. الحياة الانسانية هي قيمة عظيمة في نفس الانسان! هي تعبير عن نفسه الانسانية السامية العظمى. وما هو الانسان إذا كان مجرَّداً من قوّة الحياة وجمال الحياة، ذليلاً مستعبداً يساق بالعصي فاقد الارادة؟ ما هو المجتمع الانساني اذا كان مجرد قطيع من البشر كأنه قطيع من الحيوانات، مجرد من ذاتيته وحقيقته ووعيه وإراداته الفاعلة.

لقد كانت أمّتنا قبل نشوء الحزب القومي الاجتماعي في درك القطعان من البشر تسير بالإرادات الأجنبية تسييراً فيه كلّ الغباوة وكل العمى عن المصير المنحط الذي تسير إليه وتنحدر فيه بإذعان غريب.

المجتمع الحر هو المجتمع الذي عرف غايته وقدر أن يسير إليها وسار بملء إراداته ومشيئته. هذا هو المجتمع الحر الجدير بالحياة، والذي حياته عزّ وجمال.

والحزب السوري القومي الاجتماعي هو هذا المجتمع الحر لأنه مجتمع يقوم بمطلق إراداته لا بعوامل خارجية، اختار غايته وقرر السير إليها بوعيه، وعقله، وسار إليها غير معتمد على قوّة غير قوّته هو. تتمثل بسيره الجبّار حقيقة أمة تنهض وتصارع الأمم التي تنكر عليها حق الحياة.

لقد قلت سنة 1935 أن الحزب السوري القومي الاجتماعي هو دولة لأنه انبثق عن حركة وعن نهوض وإرادة وأعطى التعبير الحقيقي عن سيادة الشعب السوري المستقلة الصحيحة المنبثقة من صميم الشعب فتمثلت فيه إرادة حياة الأمة وتمثلت فيه سيادتها الصحيحة التي لم تفرض عليه لا بإرادة تركية ولا إنكليزية ولا إفرنسية ولا طليانية بل هو فرض حقيقته - حقيقة أمّته وقوميته - فرضاً على الأمم.

بهذه الإرادة المنبثقة من وعي هذا المجتمع العظيم وصلنا بالشوط الذي قطعناه إلى هذه النقطة التي ننطلق منها إلى الشوط الثاني الذي سيحقق من الأمور ما يفوق بكثير ما حققناه حتى اليوم.

لقد جاهد غير القوميين الاجتماعيين ضدّ الأجنبي قبل نشوء هذا الحزب وبعد نشوئه. ونحن لا نريد أن نُنكر على أحد جهاده، بل نسجّل الجهاد وكل دقائق الجهاد وفصوله. نسجّل للمجاهدين الذين جاهدوا بالبطولة بطولتهم ونسجّل للذين جاهدوا بالميوعة ميوعتهم. إننا في الحزب القومي الاجتماعي لم نكن مجرّد مجاهدين ضدّ الأجنبي، بل كنا خالقي جيل جديد ومشيّدي صرح قومية عظيمة، كنا نهضة قومية اجتماعية تقيم الوجود وتبطل العدم.

نحن، القوميين الاجتماعيين، جماعة حقيقة لا جماعة أباطيل، نفتخر أننا وصلنا إلى هذا الإنطلاق بقوتنا فحسب، ونفتخر بأننا يوم زجّ منا المستعمر المئات في السجون لم نركع ولم نتساقط على ركبنا مبتهلين إلى الله أن ينصر المستعمر. نفتخر بأننا حاربنا بشيء أساسي، بوعينا لحقيقتنا وإيماننا بها، بهذا الوعي والإيمان ظللنا ثابتين، وانهزم الأجنبي. لم نحتج إلى التضرّعات لنصر المستعمر ولم نحتج إلى الميعان للإبقاء على نفوسنا. إننا نعتقد أن لنا نفوساً لا يمكن أن تذوب وتفنى. قد تسقط أجسادنا أما نفوسنا فقد فرضت حقيقتها على هذا الوجود ولا يمكن أن تزول. وفي حربنا لم نستغث ولم نستنجد. في جهادنا لم نطلب نجدة ولم نستنجد. في جهادنا حملنا حقنا وسرنا، وسرنا مؤمنين. هذه حقيقة الجماعة الواعية لنفسها. هذه حقيقة مجتمع حي يدرك قيم الحياة ولا يقبل أن يبقى دون هذه القيم - حقيقة مجتمع أصبح يرفض أن يكون للإنسان غاية غير غاية مجتمعه وخير مجتمعه وعزّ مجتمعه.

وفي هذا الرفض وفي كوننا لا نريد إلا خير الشعب وعزه، في هذه الحقيقة يجد كل فرد منا حقيقته وشخصيته وقوته ومكانته فلا غايات عندنا متفرقة، بل غاية واحدة، ولا حقيقة عندنا إلا ما أعلنا. ليس عندنا شيء مكتوم وشيء معلن لأننا لم نخف قط من إعلان حقيقتنا وما ظننا أن الهرب والخوف من إعلان الحقيقة يوصلان إلى تثبيت الحقيقة. ولذلك عرفنا بأننا حركة صراعية محاربة.

نحن حزب قتال قبل كل شيء ومن حيث أننا حزب قتال فإننا حزب تفكير في القتال ونحن حزب روية في القتال. نملك أعصابنا فلا يستفزنا مستفِز ساعة يشاء بل نسير إلى القتال بإرادتنا ونختار المعركة بإرادتنا نحن، لا بإرادة من يريد أن يفرضها علينا. لذلك هان علينا هذا الصبر الطويل في جهادنا ولذلك اخترنا أن نجاهد بآلامنا حين رأينا أن الضرورة تقتضي أن نقاتل بآلامنا ولكننا لم نختر الآلام عن جبن بل عن شجاعة وجرأة وقوة. وإذا كنا قد اخترنا الحرب بالآلام مرة فلا يعني ذلك إننا سنبقى على الحرب بالآلام بل نحن نستطيع أن نحارب بغير الآلام. ولكن حربنا لها غاية واحدة هي عز الأمة ووحدتها وشرفها وانتصارها على الإرادات الأجنبية.

وفي هذه الحرب المقدسة نحتمل أن يلطمنا مواطن نعمل على إنقاذه يأبى إلا التدهور ونأبى إلا أن نرفعه إلى ذروة المجد القومي والعزّ الاجتماعي.

نحن بتمكننا من أنفسنا، نستطيع احتمال كل مقاومة من أبناء أمتنا ونستطيع ذلك بقوتنا وشجاعتنا. ونحن لا نضيق ذرعاً ولذلك نحن لا نحمل حقداً حتى على المواطنين الذين لطمونا بينما نحن نحارب لإنقاذ المجتمع من الفساد وإنقاذ حياة الأمة وشرفها. نحن لا نحمل حقداً ولا نحارب من أجل تنكيس أحد من الناس ولا نحارب ضد أشخاص ولا من أجل أشخاص، إن حربنا هي حرب مقدسة لأنها حرب أمة، هي أمة حية تستطيع أن تشق طريقها إلى الحياة الحرة المجيدة، حرب أمة تريد أن تشق طريقها إلى العز والعظمة.

في سبيل أي شيء نحارب نحن؟!. وما هي البلية العظمى من وجودنا للرجعيين الذين يحاربوننا؟ البلية العظمى هي أننا قد ألفنا بين قلوب أبناء هذا الوطن بعد أن كانوا متنابذين، مفرقين، تتلاعب بهم الغايات والمآرب التي لا تعبر إلا عن مصير التفكك والإنهيار، وعن غايات مفسخة ممزقة لا تعني للمجتمع إلا الهلاك.

هذه بليتنا العظمى للمخرقين الذين يجدون في وجودنا وعملنا القومي الاجتماعي بلية على مطامعهم الحقيرة وهي أننا قد جمعنا أبناء هذه الأمة من مختلف الطوائف والنحل والملل شعباً واحداً وأمة واحدة لا طوائف متباينة تخاصم بعضها بعضاً ليتمكن الأجنبي من إذلالها واستعبادها. البلية العظمى هي في أننا نقبل أن لكل أجل كتاباً وفي قبولنا أن هذا الأجل هو أجل الأمم والقوميات وفي أن تعاليمنا هي كتاب القومية الاجتماعية.

البلية هي أننا أيقظنا هذا الشعب لحقيقته ومصالحه وأغراضه الحقيقية في الحياة، هي أننا أيقظناه إلى أن هذا العصر لم يعد عصر نضال أديان ولا عصر حزبيات دينية بل عصر أمم تنهض وأمم تتخاذل وتسقط وجدير بها السقوط، الأمة التي لا تقدر أن تدرك حقيقتها لا تقدر أن تحمي حقيقتها ولا أن توجد ذاتها ولا أن تعين أهدافها الصحيحة ولا أن تجمع على هذه الأهداف كتلة واحدة وقوة منطلقة بزخم نافذ لا يقف في وجهه شيء إلا كان مصيره السقوط والتحطم. الأمة التي لا تعرف أن الحرية صراع وأن الحق انتصار، هي أمة، أنا أقول، إنها لا تستحق إلا السقوط مصيراً.

وسط السقوط والانهيار الذي تسير بنا إليه الاحتكارات السياسية والسياسات الخصوصية والأهداف اللاقومية، وسط هذا السقوط وهذا الانهيار ينهض هذا الحزب نهوضاً وتقدماً وارتقاء، حقيقة ترفض التذمر والعجز وتريد الإبداع والتحقيق فهي حقيقة تشع على العالم بضيائها وتطبع على التاريخ ذاتها ومميزاتها السامية.

ينتقدنا منتقدون يزعمون أننا على ضلال ويزعمون أنهم على هدى. يقولون أننا على ضلال ويقولون أنهم على هدى، ونحن لم نعترض سير هِداهم إلى تحقيق أمر ما، بل هم الذين اعترضوا ضلالنا فإلى أين سارت بهم الهداية؟ وإلى أين يسير بنا الضلال؟

تسير هدايتهم إلى فقد أجزاء غالية من هذا الوطن. لأنها تسير القهقرى إلى الإبقاء علىالأحقاد وإثارة الفتن الفتاكة في النفوس، تسير هدايتهم إلى الانهيار، إلى الاضمحلال. لماذا لم يعلُ شأن هذه الأمة بهداهم العظيم؟

وماذا ينقصهم؟ الجماعات الكبرى في هذا الشعب تسير وراءهم، ولا تزال هذه الجماعات الكبرى في قبضة أيديهم شأن القطعان لأنها لم يصل إليها الوعي القومي ونحن لم نقف في سبيل أي عمل أرادوا أن يفعلوه!! فما بالهم قد ساروا بهذا الهدى إلى هذا الخزي؟

أما نحن؟ فإلى أين سار بنا الضلال؟ إلى تكوين البعث القومي وإنشاء هذا الوعي الصحيح الذي يجعل منا أمة بالمعنى الصحيح لأن الأمة هي المجتمع الواعي لنفسه، المدرك لحقيقته، ولا تكون الأمة أي مجموع من الناس بلا حقيقة ولا وعي لحقيقة. نحن قد وجدنا حقيقة الأمة وأوجدنا فوق ذلك مسلكية أخلاقية جديدة تكفل جعل هذه الأمة في المستوى من العز والشرف الجدير بمن يحمل هذه الأخلاق. نحن قضينا على الميعان وأثبتنا للشعب أنه ليس بالاحتيال ولا بما يسمونه دهاء ولا بالمكر ولا بالخديعة تنهض الأمم وتقوم قضايا الأمم بل أثبتنا أنه بالأخلاق الصحيحة والصراحة الكلية وبالإرادة الصراعية، بهذه الأمور تقوم الأمم وتنهض القوميات. أثبتنا ذلك بالقول وحققناه بالفعل وكان فعلنا دائماً أسبق من قولنا. إن وجودنا برهان قاطع على ما أقول.

لم يوجد حزب في العالم كله واجه من الصعوبات والأضاليل والعراقيل والإشاعات ما واجهه وانتصر عليه هذا الحزب. لم يوجد حزب لا في أوروبا ولا في أميركا ولا في مكان من العالم اضطر لاجتياز هذه السلسلة الطويلة من الاضطهادات والمشقات والمعارك التي اجتزناها. نحن القوميين الاجتماعيين لم نحتج إلى فلسفة المكر والدهاء والخديعة بل شعرنا أننا بنفوسنا وحقيقتنا أقوياء جداً ولسنا بحاجة إلى هذه الأشياء الحقيرة التي نزدريها ونحتقرها، بل كانت عقيدتنا ومبادؤنا الأخلاقية كافية للانتصار عليها. في هذه العوامل الأساسية الدافعة نحو التفوق كان ثباتنا وكان انتصارنا، وهذه العوامل الأساسية الفاعلة هي التي تقرر النصر لا غيرها ونحن في هذه القضية واثقون، موقنون، مؤمنون أن انتصارنا حتمي لا مفر منه وأن هذا الانتصار أقوى من كل عوامل أخرى لأنه انتصار الوجود القومي الاجتماعي على العدم فهو انتصار أكيد لنا في الحياة وبعد الموت، إنه الانتصار على الموت والفناء.

لو قضوا على مئات منا لما تمكنوا من القضاء على الحقيقة التي تخلد بها نفوسنا ولما تمكنوا من القضاء على بقية منا تقيم الحق وتسحق الباطل، فيكون انتصارنا أكيداً في حياتنا وبعد موتنا لذلك نحن جماعة لا نخاف ولا نأبه للموت.

نحن جماعة تقول إن العيش لا قيمة له. إن القيمة في المبادئ التي تمثل نفوس الجماعة. إن القيمة هي المبادئ الأخلاقية والمطامح السامية التي تفيض بها النفوس لا في الشؤون المادية من العيش ولا بأية قيمة من الحياة المادية. لذلك نحن جماعة لم تفضل، لا أنا شخصياً ولا واحد من هذه الأمة الناشئة كلها يوماً أن تترك عقيدتها وإيمانها وأخلاقها لتنقذ جسداً بالياً لا قيمة له.

لا يقين غير هذا اليقين يقدر أن ينقذ معنويات هذه الأمة من الانهيار الأخير. إن التسويات والتكتلات السياسية كلها في هذا الوطن لم تقدر على إنقاذ شيء من معنويات هذه الأمة. إن رسالتنا القومية الاجتماعية هي رسالة إيمان جديد، هي معنويات جديدة، هي أخلاق جديدة ونفوس جديدة، هي أمة جديدة، إن الذين استعجلوا الأمور وظنوا أنهم بالتكتلات الضخمة يتمكنون من إنقاذ فلسطين قد وصلوا إلى النتيجة التي لا مهرب من أن تصل إليها المساعي التي هي جديرة بالوصول إليها، إنهم وصلوا بفلسطين إلى الكارثة.

إن فئة قليلة مؤمنة إيماناً صحيحاً لأفضل من فئة عظيمة فاقدة الإيمان وقائمة على تسويات عقيمة، رثة، بالية، لا تقوم بها لمجتمع قائمة، وإذا كانت لهذه الأمة بقية أمل وسط الإنهيار ووسط ما يحيط بها من أخطار، ليس الخطر اليهودي الخطر الأخير منها، إذا كان قد بقي في هذه الأمة بقية أمل فهذه البقية من الأمل وهذه البارقة الجديدة من أمل يبعث إيماناً جديداً هي أنتم، لأنكم جماعة غاية الأمة لا جماعة غاية جزئية وأغراض خصوصية في نفوس البعض منكم، لأنكم أنتم الأمة السورية في حقيقتها ووعيها لحقيقتها، لأنكم أنتم الجماعة التي تمثل هذه الأمة وحقيقتها وغايتها.

نحن لم نتلكأ عن واجب لأن الواجب مبدأ أساسي من مبادئنا الأخلاقية ولم نتراجع عن معركة، ولكننا جماعة أرادت قبل كل شيء المحافظة على إيمانها وحقيقتها فلم تدخل في ما أراد البعض أن يجرنا إليه من منازعات لا تمثل غير قضايا شخصية، لا في لبنان ولا في الشام ولا في أي بقعة من بقاع وطننا السوري الجميل، بل كنا حريصين على الاحتفاظ بحقيقتنا بين مختلف الأعمال الاعتباطية التي عرض علينا المساهمة فيها وأبينا أن نساهم فيها لأنها لم تكن أعمال قضية قومية.

في لبنان عندما كنا نحارب حاملين السلاح وكنا في حركة عنيفة مع الحكومة اللبنانية شاءت فئة تريد أن تجرّنا إلى معاركها الخصوصية مع الحكومة اللبنانية لغايات غير غاية الحرية والسيادة القومية ففضلنا أن نبقى وحدنا في معركتنا مع الحكومة، ولو اقتضى أن نحارب الحكومة ومعارضة الحكومة من أجل عقيدتنا وحقيقتنا وعزّنا لما توانينا في اتخاذ هذا الموقف لأن المعارضة التي هي من نوع الحكومة ليست عملية إنقاذ بل عملية بلبلة لذلك لم نكن حزب انتهازات لغايات صغيرة بل كنا دائماً في موقف الجماعات الراقية التي تميز بين الأهداف الصحيحة والأهداف الحقيرة، فأردنا المحافظة على هذه الحقيقة التي تصون جوهر هذه الأمة، وقوتنا العظيمة بإمكانياتها لم تجعل منا حزب اغترار بالقوة ولا حزب قوة من أجل القوة بل كنا دائماً حزب عقيدة وقوة من أجل غاية خطيرة في الحياة هي غاية الحرية والواجب والنظام والقوة، غاية الفلاح والعز لهذه الأمة - غاية إنشاء مجتمع إنساني جديد على قواعد متينة.

هذه الحقيقة السامية التي ترفع شعبنا من درك التخاذل والانحطاط - من درك الجماعة الغافلة عم مصائر الأمم إلى مرتبة أمة حية لها مثلها العليا ولها نظر واع في الأمور - إن هذه الحقيقة والمحافظة عليها هي واجب كل سوري قومي اجتماعي صحيح العقيدة والإيمان، وهما ما يدفع كل قومي اجتماعي إلى العمل - الصراع من أجل حزبه، من أجل هذه الحركة التي تعبر عن إرادة أمة فتية ناهضة ومن أجل فلاحها.

ويقيني أن هذا الإيمان الذي سار بهذه الرفقة السامية إلى هذا النجاح يسير بها إلى النصر الأخير الذي تتحقق فيه حقيقة أمة عظيمة، وتتحقق فيه أهداف هذه الأمة المجيدة العظيمة ويتحقق فيه خلود هذه الأمة المتفوقة الخالقة بتفكيرها ومواهبها التي هي قوة إبداع وانتصار، لا آلة بيد خالق يستعملها ليشكل بها أي شكل يريد. بهذا الإيمان نحن ما نحن!! وبهذا الإيمان نحن ما سنكون!! وبما نحن وإلى ما سنكون، سيظلّ يدويّ هتافنا في العلم: لتحيا سورية.

 

اللاذقية 29 تشرين الثاني 1948