لا نكاد نرى صحيفة عربية ألا وتنعي المواثيق والعهود والوعود التي أعطتها دول الحلفاء للعرب، ولا نقرأ كتاباً وطنياً إلا وتبوب هذه المواثيق وتلك العهود التي قطعتها انكلتره على نفسها للحسين وفيصل أيام الحرب العظمى، حتى صار النعي فينا عادة، والندب والعويل ملكة تأصلت فينا.

مضى على هذه المواثيق والعهود أربعة وعشرون عاماً، ونحن لا نزال حيث كنا، نبكي وننعي ونندب، نستجدي استقلالنا استجداء، دون أن نمشي إليه خطوة واحدة، أو نبني في أساسه حجراً واحداً.

نطالب انكلتره بعهودها ومواثيقها تارة كعرب، وتارة كسوريين، وتارة كلبنانيين، وأخرى كعراقيين، وغيرها كمسلمين، وكل فئة تشد الحبل صوبها والاستقلال ضائع ما بين هذا وذاك، والقومية ترقص من الألم ما بين هؤلاء وأولئك، والغرب يضحك علينا، ويسخر منا ويهزأ بضعفنا، ويكيل لنا الصاع صاعين والباع باعين.

أعطت انكلتره عهداً للعرب، وبعد سنتين أعطت عهداً يناقضه لليهود، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، نكثت بالعهد الأول وبرت بالثاني، فلماذا؟

أليس لأن العهد الأول غير طبيعي أعطي لقوم لا جامعة تضمهم ولا مصلحة تجمعهم، إلا مصلحة الوهم والخيال، فحاربت العرب بالعرب، ودكت عرش الحسين بسيف ابن السعود، بل بسيوف أبنائه الذين بينما كان أبوهم يطالب بعهوده، ويناوئ انكلتره كانوا هم يمالئون ويساومون ضده، فأعتلى شرق الأردن، وكان يطمع الثالث بعرش سورية، والرابع بعرش قسمها الجنوبي فلسطين؟

أين العروبة تقوم وتهب هبة واحدة في وجه انكلتره وتطالبها بعهودها، أهي عروبة الإمام يحيى حليف الطليان، أم عروبة ابن سعود صنيعة الانكليز الذي يقبض حتى الآن معاشاً شهرياً منهم ليرات رنانة أم حصان، أم هي وطنية الأمراء الذين يتسابقون على عرض فلسطين، فكانوا آلة بأيدي انكلتره في مؤتمر لندن الذي أخفق هذا الإخفاق المنتظر؟

أم هي عروبة البارودي ومكتبه، ومردم وكتلته، التي أضاعت الاسكندرونه، ونفرت قلوب أهالي الجزيرة وجبل الدروز والعلويين واللبنانيين؟

نعيب على الغرب نكثه بالعهود، ونعيره بجشعه الاستعماري، ونصف أبناءه بالعلوج، ونرميهم بكل عوراء، وسوداء، ونحن لاهون بالسفاسف والقشور، تارة بجامعة إسلامية دينية، وأخرى بإمبراطورية عربية، لا تضم إلا شعوباً متخاذلة، وأمماً متفرقة مفسخة لا تجانس بينها ولا تلاحم، ولا تعترف إحداها حتى بوجود الأخرى، بينما الأجدر أن نعيب جهلنا وتفكيرنا العقيم.

إن انكلتره لا تعمل إلا لمصالحها، تدافع عن كيان أعظم إمبراطورية قامت في التاريخ، فبذلت في تشييد بنيانها دماء الملايين من أبنائها، ولا تقوم فرنسة إلا بواجبها الذي يقضي عليها مجاراة الأمم غيرها في الاستعمار حفظاً لكيانها، وهذه سنة الطبيعة، ولن تجد لسنة الطبيعة تبديلاً، سنة تمشى عليها العرب قبلهم، فقضوا على ممالك كسرى وقيصر، واستعمروا شمالي افريقيا وحطوا رحالهم في اسبانية مدة ثمانمائة سنة، فلماذا لا نسميهم إذ ذاك بالعلوج والفاشيين والمعتدين وناكثي العهود؟

السبب في الاستعمارين واحد، وهو حق الامتداد والتوسع، الحق الذي تعترف به الطبيعة للقوى شئنا أم أبينا، فليكن العرب إذن أقوياء، وليقوموا بواجبهم وليقلعوا عن ترديد الكلام الفارغ والتحدث بالعرب والعروبة وبناء القصور في الهواء، وهم لا يزالوا تحت الكابوس، وليمسكوا الطريق من أملها فتعمل كل أمة منهم لقوميتها، وتداوي أمراضها المحلية الكثيرة، وتستأصل منها الشرور المستعصية فيها، وعندئذ فليتحدثوا بالعروبة التي لا ينكرها عاقل، إذا كانت مبنية على أساس معقول.

كلما حلت بنا مصيبة، ننسبها إلى الغرب، وإخلاله بوعوده أكبر حجة نأخذها على تمزيقنا وتفريقنا إلى أمم وشعوب، وكأننا كنا وحدة اجتماعية لا ينقصها إلا اعتراف الغربيين بوجودها.

خرجت الأمة الألمانية من الحرب مهمشة الأعضاء، مقطعة الأوصال، بيد أنها ما لبثت أن لمت شعثها على الرغم من العالم، فوحدت أطرافها وضمت البلدان التي عمل مشراط معاهدة فرساي؟ ومزقت هذه المعاهدة بمشراط أحدّ منه وأقطع، وها هي أمة ترتعد لها فرائص الدول، وما ذلك إلا لأنها وحدة اجتماعية طبيعية.

وتكونت تشيكوسلوفاكيا بعد الحرب من عدة أمم متفرقة متخاذلة. ما لبثت أن تفككت دون أن تنفعها العهود والمواثيق، ولا حماية أكبر دول العالم لها، فسقطت وكان سقوطها عبرة للأمم والتاريخ. وعلى الرغم من كل ذلك، لا نزال نطالب انكلتره بوعودها، وفرنسا بمعاهداتها، كأننا صمّ بكمّ عميّ لا يفهمون.

سورية الجديدة  8 أيلول 1939