إنها وحدة الروح. ووحدة الروح هي شخصية الأمة الحية. فإذا قلنا إننا قد أصبحنا أمة حية، نقول ذلك لأنه قد أصبحت لنا وحدة الروح.

وحدة الروح شيء بعيد عن إدراكه المائتون من أجيالنا المتدهورة. وحدة الروح شيء لم يعد إلى قلوب المائتين سبيل له.

ولكن لو دعونا الأموات لينظروا ويسمعوا لجدث شيء مخيف جداً للأموات أو المائتين، لحدث شيء مخيف جداً لهم. وهذا الشيء هو أن ينساقوا في هذه الروح وأن تدب فيهم الروح وأن يحيوا.

من كان يظن في هذه البلاد أن يتكلم عدد كبير من طوائف متعددة كانت في هذه البلاد كانت إلى هذه الساعة أمماً مستقلة، بينهم السني والشيعي والماروني والأرثوذكسي والدرزي وغيرهم على اختلاف المذاهب، أن يتكلم عدد من هذه الطوائف ناطقين بلسان واحد ومعبرين عن حقيقة واحدة هي حقيقة الأمة وغايتها العظمى إلى تحقيق مثلها السامية.

هذه الحقيقة التي يريدها المتألمون بلا إيمان لا توشك أن تصبح فاعلة إلا ويهربون منها: إذا حدثت هذه الحقيقة التي يرغب بها قليلو الإيمان ويخشون أن تحدث، حدثت لهم نكبة عظيمة. لأن قليل الإيمان لا ثقة له بنفسه، لا ثقو له بوعيه، لا ثقة له بتفكيره أو بقدرته. إذا رآي يخاف أن يصدق. يخاف على نفسه من قومه ومن الكون. يخاف من الحقيقة والخائف لا يمكن أن يسير إلى تحقيق شيء في العالم بل يلتف به خوفه ويحدد له أفق الكون ويحدد له مدى الحياة يقصّره تقلصه ليفنى في ذاته نائحاً، شاتماً الكون، لأنه لا يقدر أن يعيش فيه حياً مؤمناً بنفسه بشعبه بحقيقة حياته.

هذه هي مصيبتنا مع الضعب الذي يحيط بنا. إيمان وسط شكوك. حياة وسط تدهور في هاوية الموت. في أول الدعوة كنا نصطدم بهذه الأسئلة:

هل يمكن أن يتم شيء مما نقول؟ جميل ما نقول لكننا لا نصدق. لا نؤمن. لأنهم لخوفهم لا يؤمنون حتى بعد أن يروا.

نحن اليوم لا نقدم للناس نظريات في الحياة. نحن اليوم نقدم للناس أمة حية، تتحرك، تتكلم، تعاطى، تأخذ وتعطي، تحتك بالكون حولها، ومع ذلك لا يصدّقون.

نقول لهم: الطوائف أصبحت كياناً قومياً واحداً، فقط. تعالوا المسوهم وانظروهم واشعروا بوجودهم ولكن "لا نصدق". هذا ما يقولون. "إن شيئاً من هذا لا يكون".

الخائف المتوجّل، مصيره مصير واحد هو التعاسة والفناء. إنه يخاف مخاوفه ولكنه لا يقدر على العيش بدونها فيخاف أن تطير مخاوفه. ونقول لهم إنّ الأمور التي تخافونها هي التي نعمل لملاشاتها في كل نطاق الأمة هتى تتلاشى من الأمة كلها.

ولكن هو الخوف... "لا نصّدق"... "لا نؤمن".

ولكننا نحن الذين أمنا وصدقنا، نسير، لا تعرقلنا المخاوف ولا تعوقنا قوة المخاوف التي هي قوة عنيفة عنيدة، قوة لخوفها تقوم بأعمال جنونية، إلى حد أنها تقدم على قتل الروح المحيي لو أمكنها. مع ذلك، سرنا مؤمنين نتلقى اللطمات من الخائفين من أبناء أمتنا، نتلقاها كما يتلقى الطبيب لطمات عليل يريد أن يداويه من علة تمكنت منه ويأبى أن يتداوى.

وحدة الروح وحدة عظيمة هي هذه، التي هذا الاجتماع الصغير ليس إلا مظهراً من مظاهرها، قد سارت وتغلغلت في صميم الأمة على الرغم من الخائفين. تعمل ليس لنطاقها المحدود بل لنطاق الأمة بكاملها.

وإذا كان لأصدقاء رئيس وزراء سابق ونواب حاضرين وسابقين فضل في تشجيع التقدم إلى هذه النهضة المحيية، فلست أقول منع الأمين قبرصي إنهم يُخرجون النهضة القومية الاجتماعية من نطاقها، بل العكس إنهم يُدخلون ما خرج عن نطاق هذه الروح الحقة.

إننا مبدأ حياة فاعل. إذا كان قد عبر عنه الرفيق حمّود بصور التراكم فلست أظنه تراكماً بالمعنى الصحيح بل تراكم ما يأتي على الروح.

نحن لسنا في الحياة أكواماً متراكمة بل نحن قوة حية فاعلة. نحن نُحدث التراكم ولا نَحدث بالتراكم. ولذلك يمكننا أن نقول مع الدكتورة مي سعادة "إنّ لنا اليوم ولنا الغد" بهذه الروح نحن النهضة التي يعجب الناس  لسر بقائها واستمرارها ونموها وتعاظم شأنها، إنه سر يجمع الحياة ولا يفرق الحياة. إننا نريد جمع هذه الأمة حتى ولو كان بالرغم من بعضها لأنّ في إرغامهم لرفعاً لهم لا وضعاً.

هذه الروح قد شقت طريقها من تحت مطابق الاستعمار، شقت طريقها من تحت مطابق عقلية رجعية وضعف نفساني حتى اليوم.

بهذه الروح التي شقت طريقها. من هذه الساعة تعطي برهاناً لا قبل لدفعه على أنها سائرة لتحقيق النصر الأخير الذي نريد أن يشترك فيه حتى الذين لطمونا.

لسنا بالذين عن حمل اللطمات عاجزين بل نحملها ونسير.

نسير مثبتين سيرنا في التاريخ الذي لا ينعدم. ونحن إذا أدركنا - كما عبّر الدكتور سعادة إذ ندرك التاريخ، لبني التاريخ نبرهن على أننا أصبحنا أمة فاعلة في التاريخ.

لذلك يمكن أن نقول أننا أمة منتصرة حقاً.

قد إنتصرنا انتصارات كثيرة غير منظورة وانتصارات كثيرة منظورة وسيكون لانتصارنا الأخير مشهد ينظر إليه العالم أجمع.

الجيل الجديد 18 نيسان 1948، عدد 4