الصفحة السابقة

 

 

 

الصفحة التالية

 

 

 

 

 

 

التعنتات المسيحية

 

مما تقدم من هذا البحث يتبين أن الغرض الأخير له هو: قمعُ الفتنة الدينية بين أبناء أمتنا قبل استعار أوارها، ودعوة السوريين جميعهم من محمديين ومسيحيين ودروز إلى رابطة العقيدة الاجتماعية الواحدة: إلى عقيدة القومية السورية التي تجمعهم في وطن ومصير واحد.

وقد نبهنا، من قبل، إلى أنه لا يوجد في هذا البحث غرض فرعي كالذي قد يكون توهَّمه المتعنتون المسيحيون الذين يظنون أن تسفيه رأي أصحاب الدولة الدينية الرسولية المحمدية وفي غرض الدين المحمدي كان بقصد إظهار أن الدين المسيحي هو الدين الصحيح الوحيد وأن الدين المحمدي يجب أن يزول. وأظهرنا في عدة أماكن سابقة أن تخصيص هذه السلسلة من الأبحاث الفلسفية الاجتماعية والدينية بنقض مذهب أصحاب "الجنسية الدينية" المحمدية وتسفيه مطاعنهم في المسيحية ورد دعوتهم إلى العصبية الدينية وتهوُّسهم العظيم الضرر بالقومية ومصير الأمة السورية لم يكن إلاّ بقصد منع الفتنة الدينية التي قام ينفض الرماد عن بقية نارها نفر من ذوي المطامع الشخصية الذين يستبيحون دماء أبناء الأمة من أجل أغراضهم الذاتية الحقيرة، ولإقامة الحدّ وكبح جماح حملة رجعية إذاعية شبه منظَّمة لتحريض الغوغاء المحمدي وإثارة نعرته الدينية وتحريكه نحو المطامع السياسية الشخصية باسم الدين. وهذه هي الفتنة عينها. فبقْدر ما يحرض الرجعيون والنفعيون الجماعات المحمدية ويثيرونها يحدث رد فعل في الجماعات المسيحية والدرزية. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يصلْ إلى الجماعات المحمدية الصغرى أيضاً كالعلويين والشيعة، فهذه الشيع قد وقع عيها الاضطهاد من الجماعة المحمدية الكبرى في سورية، من أهل السنة. وبسبب هذه العداوة أمكن فصل منطقة اللاذقية ومنطقة جبل حوران إدارياً وسياسيًّا، عن بقية البلاد، كما فُصل لبنان عنها.

إننا بينَّا أغلاط المهووسين والرجعيين المحمديين، والأضرار العظيمة التي تجلبها دعاوتهم على نهضة أمتنا الحديثة، وتمكنَّا من إثبات وجوب فصل المواضيع الملية عن العمل القومي إثباتاً لا يقبل النقض. وهذا الغرض بعيد عن محاولة الحط من أصول الدين المحمدي الأساسية. وإننا نعتقد أننا قد بلغنا هذه الغاية في ما تقدم من حلقات هذا البحث.

بقي أن نقول قولاً يتعلق بالجهة المقابلة للحزبية الملية المحمدية، أي بالجهة اليسوعية، فإن أعمالاً رجعية كثيرة قد جرت في الجماعات المسيحية ليست كلها عائدة إلى "اتقاء الهوس الديني المحمدي"، وهذه الأعمال الرجعية ليست أقل سوءاً من أعمال الرجعيين المحمديين.


إننا نعتقد أن الغلط لا يُصلح بغلط من نوعه. وإيجاد حركة رجعية مسيحية لا يُعدِم الحركة الرجعية المحمدية، بل يزيد هذه الحركة احتداماً. ولكن الرجعيين المسيحيين لم يكونوا، في شيء، أقلّ هوساً من الرجعيين المحمديين، والرجعة المسيحية لا تقل تستراً بالوطنية "والقومية اللبنانية" عن الرجعة المحمدية بالوطنية "والقومية العربية" وكلا القوميتين خرافيتان في ما يختص بالأمة السورية والوطن السوري الذي يكوّن لبنان جزءاً منه.

ومع أنه لا مجال في هذا البحث المخصص بالرجعة المحمدية وأصول معتقداتها السياسية ـ الاجتماعية ـ الدينية للتطويل في شؤون الرجعة اليسوعية، التي وإن لم تظهر منها دعوات صريحة، علنية، كدعوات أصحاب الرجعة المحمدية المعتزين بأكثريتهم العددية، فإنها ليست أقلّ أهمية من هذه، فلا بد من تناول ما لم يحضُرنا ذكره في ما مر من بحثنا. فإن دعاة الانفصال المسيحي في لبنان يوردون حججاً، أكثرها أقوال شفوية يتناقلونها في أوساطهم، يجب إسقاطها وتسفيهها لعدم صحتها وعدم صوابيتها، وقد أسقطنا بعضها وسفّهناه في حلقة سابقة، ونتناول هنا ما يحضرنا من هذه الحجج:

سمعنا أكثر من مرة في بعض المحاضر أشخاصاً مسيحيين يردون على الدعوة إلى الاتحاد القومي بهذه الأقوال: المحمديون متعصّبون ولا يمكن الاتحاد معهم. وتأييد هذا القول يأتي في الأقوال الأخرى كهذا القول: "لا سبيل للتفاهم معهم أو لحفظ كرامتنا عندهم، فهم إذا جاء أحد منهم يزور واحداً منا استقبله هذا مع أهله وعياله، فتجلس له زوجة المسيحي وبناته وأخواته؛ ولكن حين يذهب المسيحي لردّ زيارة المحمدي فإنه يستقبله بدون أهله وعياله ويحجب عنه امرأته وبناته، فكيف يمكن التفاهم والاتفاق مع الذين هذا شأنهم". وإننا نلاحظ أن الذين يقولون هذه الأقوال يُدْلُون بها بلهجة من قد أعطى القول الفصل والحجة التي لا تُدفع. وهذا دليل على مبلغ الهوس والجهل. فإن تمحيص هذه الحجة يُثبت بطلانها وسخف أصحابها، فإن المحمدي لا يحجِّب امرأته وبناته عن المسيحي فقط، بل عن ابن ملته نفسها. ففي نصوص الشرع المحمدي لا يجوز أن تُسفر المرأة إلا لزوجها وابنها وأخيها ومن هم بمنزلة أقرب القرابة، وسواء أكان سواهم من ملتها أو من غير ملتها فهي لا تسفر ولا تجلس لهم. فهذه المعاملة لا يقُصد منها إهانة الزائر المسيحي ولا رفض مودّته، ولكنها عادة تستند إلى شرع. أما لزوم هذا الشرع أو عدم لزومه فمسألة أخرى. ودليل آخر على فساد ادعاء أصحاب هذه الحجة هو أنه إذا جاء زائر مسيحي إلى دار صديق محمدي وجلب معه امرأته، فامرأة المحمدي لا تمتنع عن استقبالها في مكان الحريم وإكرامها.

ومن أقوال هؤلاء المتعنتين: "إننا قد لقينا كثيراً من الاضطهاد من المحمديين، وحُرِمنا مساواة الحقوق والتماثل في المواقف، فلا يمكننا أن ننسى ما جرى لبعضها ولآبائنا من الإهانة والاضطهاد الخ". ومع أن حجة الاضطهاد صحيحة فليس صواباً اتخاذها ذريعة أو مستنداً لجعل الماضي يحكم على الحاضر والمستقبل. فإعدام المستقبل بسبب جهالات الماضي هو أسوأ الضلال: إنه الانتحار والانعدام، ولا يسعى نحوه إلا كل سيِّيء المصير. إنه جريمة تتناول الأبناء والأحفاد الأبرياء، وأي جهالة يمكن أن تكون شراً من هذه الجهالة؟

ماذا كان يحدث لألمانية لو ظل بروتستنتيوها وكاثوليكيوها يقولون مثل هذا القول، أي انهم لا يستطيعون نسيان الأحقاد والاضطهادات القديمة بين تينك الشيعتين المسيحيتين، التي ولدَّت بينهما ما يُعرف في التاريخ بحرب الثلاثين سنة؟

أجل، إن حرب الثلاثين سنة الدينية التي نشبت بين الذين اعتنقوا مذهب لوثر الإصلاحي والسلطة الكاثوليكية وأتباعها، هي حرب لم ينشب مثلها في بلادنا بين المسيحيين والمحمديين، إنها حرب شديدة كثُرت وقائعها المشهورة وسالت فيها الدماء شآبيب، وتهدَّمت المدن، وخربت الديار، ولم يبقَ في ألمانية مدينة أو بلدة إلا ولبست الحداد وأقيمت فيها المناحات. فلو بقي أحفاد المتقاتلين الألمان يقولون إلى اليوم ما يقوله أحفاد المتقاتلين السوريين، أي: " لا يمكننا أن ننسى ما جرى لآبائنا وضحايانا" أكانت تقوم لألمانية قائمة؟

ألا إن ما مضى قد مضى، والأمة يجب أن تحيا للحاضر والمستقبل، وليس للماضي. وإذا نظرنا إلى الماضي فلننظر لاستخراج العِبَر والمغازي، وليس الرجوع إلى حالة الماضي المؤسفة.

ومن أقوال جهلة المسيحيين أن ما يُرى من شدة تعصب العامة المحمدية هو دليل على عدم إمكان الاتفاق والاتحاد مع المحمديين، فكأنهم يقولون إن المحمديين خُلقوا جامدين على حالتهم، غير قابلين للتطُّور. وهذا جهل وخطل في الرأي. فإذا رجعنا إلى أزمنة التعصب المسيحي وجدنا أنها لا تختلف في شيء عن أزمنة التعصب المحمدي، إذا لم تكن فاقتها شدةً وقسوةً. فلنعتبر بما جرى في ألمانية. ثم بما جرى في فرنسة من الاضطهاد الديني الذي بلغ قمته في مذبحة برتلماوس الشهيرة التي ظهرت فيها فظاعة الغدر والحقد الديني بأقبح مظهر. وقد رأينا بعد ذلك أن الناس تركوا هذه الأمور، فهل يظن أحد من ذوي الإدراك العادي أن المسيحيين وحدهم قابلون للتطور، وأن المحمديين سيبقون جامدين في حالة الهوس الديني وأوهامه؟

إن السوريين المحمديين قابلون للتطوُّر كالسوريين المسيحيين. ولا ننس أن أكثر المحمديين السوريين كانوا من قبل مسيحيين ثم اعتنقوا المحمدية مفضلينها مع الحرية على المسيحية مع العبودية، لأن الفتح المحمدي خيّر أهل البلاد بين الدخول في الدين الرسولي ونيل جميع حقوق أتباعه وبين البقاء على دينهم ودفع الجزية وإبطال حقوقهم المدنية والسياسية.

أما ما نراه من شدة هوس الجماعات المحمدية في سورية فهو أمر طبيعي جرى مثله في جميع الملل، وهو عائد إلى قرب عهدهم بالتعصب الديني وانعدام العلوم الفلسفية والعملية من أوساطهم، وليس إلى طبيعة فيهم لا تتبدل ولا تتغير. فلا ننسَ أن تساهل المسيحيين الحالي عائد إلى سبقهم المحمديين إلى العلوم والمعارف العصرية بما نشأ في أوساطهم من مدارس وخصوصاً ما نشأ في المدة الأخيرة من المدارس المدنية. وحيث نشأت في أوساط محمدية مدارس مدنية عُنِيت بتدريس العلوم الحديثة نجد تبدلاً كبيراً في نظر التلاميذ المحمديين إلى الحياة الاجتماعية. وفي الحركة السورية القومية الاجتماعية جرى التغير والتطور مجرى واحِداً بين المسيحيين والمحمديين والدروز.

معلومٌ أن المحمدية تأخرت عن المسيحية في سورية نحو سبعة قرون. وفرق هذه المدة في التطوُّر يجب ألا يذهب بدون ملاحظة. ثم نجد أن التعصب الديني المسيحي لم يبتدئ يخفّ إلا بعد نشوء المدارس العلمانية، أما حين كان التعليم دينياً بحت كان التعصب الديني المسيحي مثل التعصب الديني المحمدي. وشدة التعصب الديني المحمدي التي ما تزال ظاهرة بين محمديي سورية عائدة إلى تأخر نشوء المدارس العلمانية عندهم وقلة عددها بالنسبة إلى المدارس الدينية والتعليم المحشوّ هوساً وتعصباً دينياً.

إذا وضعنا عدداً متساوياً من التلاميذ المسيحيين والمحمديين والدروز تحت ثقافة واحدة فإننا نجد النتائج واحدة ولا تختلف إلا بتعرَّض التلاميذ لتأثيرات أخرى في بيوتهم. ومع ذلك فالاختلاف يضعف رويداً مع استمرار الثقافة حتى يتلاشى ويزول بالمرة.

وقد شاهدنا أطوار هذا الصراع الطويل بين الثقافة القومية الواحدة التي أنشأها الحزب السوري القومي الاجتماعي وعوامل البيئات الملية. وفي أوائل أطوار هذا الصراع ظهر كأن عوامل الحياة الملية ستغلب دوافع الحياة القومية وثقافتها. ولكن لم يطل الأمر حتى أخذت الثقافة القومية الاجتماعية تتغلب على الثقافة الملية، وصارت دوافع الحياة القومية تمحق عوامل الحياة الملية حتى أتت عليها. وقد اقتضى ذلك مقداراً عظيماً من الصبر والحنكة وبُعد النظر وحُسن السياسية والسهر في إدارة الحزب السوري القومي الاجتماعي العليا، فكانت النتيجة باهرة لا يتصور اللاقوميون اجتماعيون رؤيتها ولا في المنام.

ولا يَظُنَّنَّ أحد أن جميع مفكري المحمديين هم من نوع الشيخ محمد عبده والسيد جمال الدين الأفغاني، فهذان المفكران الرجعيان غير السوريين لا يمكنهما ادعاء احتكار التفكير المحمدي العصري. وقد قلنا إنه من المؤسف أن مفكراً سورياً محمدياً هو السيد الفراتي عبد الرحمن الكواكبي لم يذهب صيتُه ذهابَ صيت إمامي الرجعة المذكورين مع أنه أحقُّ بهداية النفوس منهما، إذ نظر إلى الحياة الاجتماعية والسياسية من جهة التفكير السوريّ المترقي، وإليك فقرة مما قاله في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد":
"يا قوم، وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين، (وهو قول سوري موجه إلى السوريين بالدرجة الأولى وإن يكن القول عاماً الناطقين بالضاد) أدعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد وما جناه الآباء والأجداد، فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين، وأُجِلُّكم من أن لا تهتدوا لوسائل الاتحاد وأنتم المتنورون السابقون. فهذه أمم أوسترية وأميركة قد هداها العلم لطرائق شتى وأصول راسخة للاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري (؟) فما بالُنا نحن لا نفتكر في أن نتبع إحدى تلك الطرائق أو شبهها، فيقول عقلاؤنا لمثيري الشحناء من الأعجام والأجانب: دعونا يا هؤلاء، نحن ندبر شأننا، نتفاهم بالفحصاء ونتراحم بالإخاء ونتواسى في الضراء ونتساوى في السراء. دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط. دعونا نجتمع على كلمات سواء ألاّ وهي: فلتحي الأمة. فليحي الوطن. فلنحي طلقاء أعزّاء!". هذا كلام رجل من المحمديين عرف معنى الإسلام الصحيح وقال قولاً جعله في طلائع العهد القومي وإن كان الناس اتبعوا من، هو (الكواكبي) أحقّ بالتقدم عليه. ولكن النهضة السورية القومية الاجتماعية جاءت تنفض غبار الأوهام عن أذهان الناس ليميزوا بين قول الحق وقول الباطل. فرحم الله السيد الفراتي بما قال، وفيه زبدة تفكير راسخ وتأمَّل ناضج: "دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط". فهذا قول تتبناه الحركة السورية القومية الاجتماعية بحرفيته، وتخلِّد به ذكرى الإمام الكواكبي الذي نظر في مقتضيات الدين والدنيا فقال فيها هذا القول الفصل.

 

 

الصفحة السابقة

الإسلام في رسالتيه 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11

الصفحة الرئيسية

www.ssnp.org

12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20 - 21 - 22 - 23 - 24

الصفحة التالية