الصفحة السابقة

 

 

 

الصفحة التالية

 

 

 

 

 

 

خرقاء ذات نيفة

 

إن هذا البحث العلمي الجديد بنظرياته ومعلوماته لا يُتوخَّى منه غير جلاء الحقيقة في طبيعة الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية على ضوء عناصر كل منهما كما هي في ذاتها. وهذا الدرس العظيم الأهمية البعيد عن كل تأثير ديني لا يقصد تفضيل أحد المذهبين الجليلين على الآخر، بل يقصد تبيان تلاحم هذين المذهبين مع إظهار علاقة كل منهما بالمرتبة الاجتماعية للبيئة التي نشأ فيها وعلاقة الآيات والتعاليم لكلّ من المذهبين بمرتبة بيئته من الوجهة التاريخية. وقد قال الكاتب قبلاً "لو أن المسيح ومحمداً تبادلا الرسالة، فظهر المسيح في العربة وظهر محمد في سورية لما كانت رسالة المسيح ابتدأت على الدرجة العالية التي ابتدأت بها في سورية، ولما كانت رسالة محمد ابتدأت على الدرجة الأولية التي ابتدأت بها في العربة" وهذا القول ينفي كل فكرة تفضيل للواحد على الآخر أو للرسالة الواحدة على الأخرى، ويجعل أية مقابلة أو مقارنة بين الرسالتين مقصورة على الحالة الاجتماعية والمرتبة الاقتصادية التي نشأت منها كلٌّ من الرسالتين وأوجبتا أن يكون نهج الرسالتين مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهما. فالمقابلة ليست بين المسيح ومحمد، بل بين سورية والعربة من حيث هما وضعان اجتماعيان متباينان اقتضى كل منهما منحى خاصاً في الدين. أما الرسالتان الدينيتان فغرضهما وجوهرهما واحد كما سبقت الإشارة وكما سيجيء. فنحذِّر القراء من المتعيشين بالتعصب الديني الذين يحاولون إيجاد تأويل فساد لكل نظرية صحيحة بقصد إثارة الفتنة والاصطياد في الماء العكر.

أظهرنا، في ما تقدم، حالة العربة الاجتماعية ـ الروحية التي أوجبت اهتمام الرسالة الإسلامية المحمدية اهتماماً كلياً، أساسياً، جوهرياً بالقضية المادية ووجوب تنظيم شؤونها العملية تنظيماً حقوقياً، قانونياً يعمل به جميع العرب فيرقّي شؤونهم الاجتماعية ويوسع نظرتهم الإنسانية ويقربهم من الحياة الروحية على قدر المستطاع؛ وهذا لا يعني أن النبي العربي لم يكن مدركاً سمو النظرة الروحية في الشؤون الإنسانية، بل يعني أنه رأى لزوم الاهتمام بالأوليات وأنّ الرسالة الإسلامية المحمدية رأت أن تتناول الجماعة الإنسانية المختصة بها من عند درجة مداركها وشؤون حياتها في حين أنها لم تغفل المطالب الروحية العليا.

وقد توسعنا في تفصيل هذه الحقيقة لكي نضع أمام السوريين درساً علمياً يفيدهم في فهم خصائص ملتين يكاد لا يخلو مجمع من مجامعهم من بحثهما وبحث القضايا الاجتماعية ـ السياسية التي ولدَّها

متجاورين ومتلاصقين، خصوصاً في سورية التي لا يمكن معالجة قضاياها القومية ـ السياسية من غير تناول مشكل التحزبات الدينية ونظرياتها الأساسية والعارضة. وأهمية هذا البحث تجعلنا نعتقد بأن صرف النظر عنه إلى شؤون السياسة الخارجية والوطنية الاعتباطية لا يساعد على حل قضايانا القومية الحقوقية والسياسية والاقتصادية. فرسالة البعث القومي الاجتماعي إلى السوريين ليست متولدة من مجرد كرهٍ للأجنبي، بل من رغبة روحية لا تعود تتمكن المطامع الأجنبية من تفسيخها وإضعافها.

إن أساسنا القومي الاجتماعي يجب أن يكون في وحدتنا الروحية الكلية قبل كل شيء. وهذه الوحدة الروحية يجب أن تشمل كل فكرة وكل نظرة في حياتنا. والمفكرون السطحيون فقط يجهلون ضرورة بحث نظراتنا وفكراتنا الدينية بحثاً علمياً، جريئاً، صريحاً لا يُبقي مجالاً للغموض والريب بقصد الوصول إلى نتيجة كلية تجتمع فيها نفوسنا بكل ما فيها من رغبات ومطامح وآمال.

ولا بد من القول بأن ما تقدم وما سيجيء من هذا البحث ليس، مع كل نظرياته الجديدة ودقة معالجته للأمور التي تناولها، سوى شق طريق لأبحاثٍ تالية مستفيضة توسِّعُ دائرة فهمنا وترقي إدراكنا لشؤون حياتنا النفسية التي منعنا التخبط فيها عن الاتجاه نحو المرامي القومية الصحيحة ومثلها السامية. فالقصد من هذا البحث ليس مجرد إظهار أن رشيد سليم الخوري ليس سوى واغل عليه عن جهل بخصائصه وفاقة كلية في الشؤون الثقافية العالية، كما يتوهم بعض الناس من العامة ومن طائفة تسمي نفسها "أدباء وقادة الرأي" وتسمم النفسية العامة بآرائها السخيفة وروحيتها السقيمة. فلنعد إلى البحث.

ظهر لنا، في ما تقدم، الفساد الأول والثاني للمفاضلة بين المحمدية والمسيحية في حارضة رشيد سليم الخوري. فالأول هو ما كان من عدّ الحديث النبوي الإسلام، ومقابلته على آيات الإنجيل وإساءة فهم الحديث. والثاني عدّ الأساس الماديّ جوهر الرسالة المحمدية، وعدّ خلوّ الإنجيل من حثّ على الكسب وعلى طلب العلم نقيصة فيه.

والآن نتناول الفساد الثالث لكلام الخوري الذي لا نهتم بتفنيده وبيان فساده إلاّ لأنه نموذج لكلام متناقل في أوساط واسعة من السوريين إذا لم يوضح لها صحيحه من فاسده ظل عاملاً من عوامل جمودها. وهذا الفساد الثالث هو قوله عن الإنجيل، الذي يقول القرآن إنه كلام منزل، إنه كتاب "لا يعلِّم في هذه الدنيا غير الدروشة والزهد وقهر الجسد وحبس العقل في قفص من غباوة الاستسلام لما وراء المنظور وهو يقتل المواهب ويهيض الأجنحة ويعصب على العيون ويربط الفطرة بالسلاسل الثقيلة ويخنق الطموح فلا مجد عنده إلاّ مجد الخضوع الأعمى للتعاليم السماوية كما بشر بها هو ولا بأس في شريعته أن تعيش عبداً رقيقاً مدى الحياة تُسام الخسف والهوان والجلد بالسياط ما دمت تعتقد أن بعد الموت حياة ثانية تثاب فيها على خنوعك واستسلامك وصبرك على الظلم" وقوله أيضاً "في حين جعلت المسيحية الفقر شرطاً أساسياً لدخول السماء عملاً بقولها للغني الذي طلب أن يرث الحياة الأبدية، "بع كل أملاكك ووزع ثمنها على الفقراء واتبعني" ولعمري لو عمل كل غني بهذه الشريعة لأصبح الناس كلهم مدقعين ولم يبقَ في الأرض من يستطيع أن يجود على فقير بفلس".

لما كنا آلينا على نفسنا أخذ كلام الخوري بالترتيب فإننا نرى، من أجل ترتيب البحث، أن نتناول عبارته الأخيرة المتعلقة بالفقر ودخول السماء قبل تناولنا الفقرة السابقة التي هي النتيجة الكلية الكاملة التي توصَّل إليها رشيد الخوري من تعاليم الإنجيل كلها.

المؤمنين من المذهبين المسيحي والمحمدي كفراً صريحاً. فالمسيحية لم تجعل قط الفقر شرطاً أساسياً أو شكلياً لدخول السماء، ولا يوجد ف

فاختلاف الإنجيل عن التوراة والقرآن هو في أنه ليس شريعة، بل تعاليمَ فلسفةٍ مناقبيةٍ لا تحكم على مخالفيها أحكاماً جزائية ولكنَّها تقول إن الارتقاء نحو حياة أفضل أو الحياة المثلى لا يكون إلاّ بها، أي بمعانيها الروحية. وقد رأينا في ما أثبتناه قبلاً أن المسيح لم يسنّ قانوناً جديداً في الزنى، بل علم تعليماً فلسفياً مناقبياً يقود الناس نحو الارتفاع في فهم الحياة، عن مجرد النصوص القانونية للأفعال. فكأن المسيح يقول أن رجم الزانية لا يشفي المجتمع من أمراضه الوبيلة. وهذا تعليم مناقبي وليس شريعة. وكذلك قوله للغني الذي أراد أن يرث الحياة الأبدية: "بع كل مالك وأعطه للمساكين فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني" فهو تعليم وليس شريعة. وهذا التعليم عينه صار شريعة في المحمدية عملاً بقول القرآن: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} (المائدة: 47) {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربَّصوا حتّى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} (التوبة: 24) {إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقّاً في التّوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله... إلى آخر الآية} (التوبة: 111) فالرسالة المحمدية لا تخالف الرسالة المسيحية في هذا الباب، بل توافقها كلَّ الموافقة. ولكن رشيد سليم الخوري، الذي يرى المفاضلة بين الأنبياء والتعاليم قائمة على تقدم الزمان وتأخره، يرى أنه أحكم من محمد وأحكم من القرآن نفسه لأنه جاء بعده. كما قال عن الإسلام المحمدي أنه أرقى من الموسوية ومن المسيحية "حسب سنَّة النشوء والارتقاء لأنه جاء بعدهما"!.

على هذه القاعدة البديعة في فهم نظرية النشوء والارتقاء يكون رشيد سليم الخوري أرقى من محمد ومن القرآن لأنه جاء بعدهما!!.

لنبحث في قول المسيح الذي يُثبته القرآن بآيات عديدة، ويرفضهُ رشيد الخوري ويدَّعي، جرياً على قاعدة الجهال، أن الإسلام المحمدي ضده:

إن الحكم على دين بكامله بأخذ آية واحدة من آياته، وتجريدها عن موضوعها المتعلقة به وتأويلها أسوأ تأويل ليس جهالة رشيد الخوري وحده، بل جهالة قسم كبير من العامة المسيحية والمحمدية وجهالة عدد غير قليل من الخاصة الناقصي الثقافة، المغترِّين بزيادة بعض نواحي اطلاعهم على نواحي اطلاع الأميين ومن هم في حكمهم.

المسيح لم يقل: "أيها الناس كل من اقتنى ذهباً وفضة وعقاراً فجزاؤه جهنم النار". إنه لم يضع شريعة تحرِّم الغنى وتُبيح الفقر وتوجبه شرطاً لدخول السماء. أما المثل الذي قدمه الخوري فليست هذه طريقة فهمه وتأويله على وجهه الصحيح.

المسيح جاء حاملاً رسالة مناقبية للقضاء على مثالب المجتمع الذي تشبث بقوانين صارت جامدة، وأجاز أفراده لأنفسهم الخمول وارتكاب جميع أنواع الموبقات التي لم تنص الشريعة على كيفية معاقبتها. فهو كان مجاهداً وأتباعه يجب أن يكونوا مجاهدين بأنفسهم وأموالهم. وفي وقت الجهاد يطلب من أهل الغاية أن يضحوا التضحية العظمى. فالغني الذي جاء يطلب أن يرث الحياة الأبدية جاء في بدء الجهاد، وهو وقت يوجب التجرد الكلي، فطلب منه المسيح ما يطلب في مثل هذا الوقت، فصعب الأمر عليه فلم يكن له حظ أن يدخل السماء لأنه رفض الجهاد بنفسه وبماله من أجلها، وبالتالي إنه رفض وضع كل قوته لتحقيق الرسالة.

وقد وافق القرآن هذا التعليم المسيحي كل الموافقة بقوله: {إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} (التوبة: 111) وبقوله: {وما لكم ألاّ تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السّموات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعلمون خبير} (الحديد: 10) فهذه الآية القرآنية تفضِّل الذين أنفقوا وجاهدوا قبل مجيء النصر على الذين أنفقوا وجاهدوا بعد حلوله حتى ولو كانوا مساوين للأولين في مقدار النفقة. وقال القرآن أيضاً: {لكن الرّسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون} (التوبة: 88) وحكم هذه الآية واضح وهو الجهاد بالنفوس والأموال وليس ببعضها. وقال أيضاً: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضّرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً} (النساء: 95) ومع أننا نلحظ ظهور العامل السياسي ـ النفسي في هذه الآية فأمرُ الجهاد واضح لا غموض فيه، وهو الجهاد بالنفس والمال في سبيل السماء، وليس في سبيل الكسب كما يفهم رشيد الخوري الذي عدّ سعيه للكسب بالتجارة في البرازيل "جهاداً" وقد شدد القرآن النكير على الأغنياء الذين يحتالون ليقعدوا عن الجهاد بقوله: {إنّما السّبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون} (التوبة: 93).

وموافقة القرآن للإنجيل في هذه الأحكام هي موافقة كلية لا جزئية، فقد ورد في الإنجيل في وعظ المسيح للفريسيين هاتان الآيتان: "مع ذلك فقد بقي لكم أن تتصدقوا مما في أيديكم فيكون كل شيء نقياً لكم. لكن الويل لكم أيها الفريسيون فإنكم تعشرون النعنع والسذاب وسائر البقول وتتعدون العدل ومحبة الله وكان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك." (لوقا: 10 ـ 41 و42) فالمسيح لم يقل هنا "أن تتصدقوا بكل ما في أيديكم" ولو كانت شريعته جعل الفقر شرطاً لدخول السماء، كما يقول صاحب الحارضة، لكان وجب أن يقوله. ومن آيات المسيح التي تدل على مبلغ جهل رشيد الخوري التعاليم المسيحية المثل التالي: "فقال (المسيح) رجل شريف الجنس ذهب إلى بلد ليأخذ لنفسه مُلكاً ويعود فدعا عشرة عبيد له وأعطاهم عشرة أمناء (وزنات) وقال لهم: تاجروا حتى آتي. وكان أهل مدينته يُبغضونه فأنفذوا في أثره رسلاً قائلين لا نريد أن يملك علينا هذا. فلما أخذ المُلك ورجع أمر إن يُدعى عبيده الذين أعطاهم الفضة ليعلم ما بلغت تجارة كل منهم. فأقبل الأول وقال: يا سيد، إن مناك قد ربح عشرة أمناء. فقال له: أحسنت أيها العبد الصالح وقد وُجدت أميناً في القليل فليكن لك السلطان على عشر مدن. ثم جاء الثاني وقال: يا سيد، إن مناك قد كسب خمسة أمناء. فقال لهذا وأنت كن على خمس مدن. وجاء الآخر فقال: هو ذا مناك الذي كان عندي موضوعاً في منديل لأني خفت منك لكونك رجلاً قاسياً تأخذ ما لم تضع وتحصد ما لم تزرع؛ فقال له من فمك أدينك أيها العبد الشرير، قد علمت أني رجل قاس آخذ ما لم أضع واحصد ما لم أزرع، فلماذا لم تجعل فضتي على مائدة الصرف حتى إذا قدمت أستوفيها مع ربي. ثم قال للحاضرين خذوا منه المنا وأعطوه للذي معه العشرة الأمناء. فقالوا له يا سيد إن معه عشرة أمناء. إني أقول لكم إنّ كل من له يُعطى فيزداد ومن ليس له يؤخذ منه ما هو له "لوقا: 19 من 12 إلى 26" فلو كانت "شريعة" المسيح تقول بشرطية الفقر لدخول السماء، كما يقول الخوري في معرض تدجيله ونفاقه، لكان وجب أن تكون الآيات على عكس ما هي فيأخذ العبد الكسول الذي لم يتاجر بالمال السلطان على العشر مدن والعشرة الأمناء ويدخل ملكوت السموات. ولكان وجب أن يقول المسيح "إني أقول لكم إن كل من له يذهب إلى جهنم وكل من ليس له يكون له الجزاء الحسن ويدخل ملكوت السموات".

ولكن رشيد الخوري يرى قليلاً حتى تشويه الحقائق الدينية وإثارة الفتن الدينية في سبيل "الكسب اللامحدود" الذي يدعي، على جهل منه، أنه جوهر الرسالة المحمدية.

هذا الرجل، الذي شوَّه التعاليم الدينية ووجد بُلهاء يصفقون له باسم الدين، يريد أيضاً أن يشوه التعاليم السورية القومية الاجتماعية من أجل منافع وعده بها بعض المتعصبة. ولكن ساء فأل المنافقين.

 

 

الصفحة السابقة

الإسلام في رسالتيه 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11

الصفحة الرئيسية

www.ssnp.org

12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20 - 21 - 22 - 23 - 24

الصفحة التالية