الصفحة السابقة

 

 

 

الصفحة التالية

 

 

 

 

 

 

ما لم يعط للجهّال

 

وجدنا، من مقابلة أحكام القرآن وحدوده على أحكام التوراة وحدودها، أن نصوص الشريعتين الموسوية والمحمدية واحدة مع فوارق شكلية قليلة لا تغير شيئاً من وحدة الأساس. فالله قد أوحى، إلى محمد في القرآن، الشريعة عينها التي أوحاها إلى موسى وجميع النبيين الذين تقدموا محمداً، كما هو مثبت في القرآن. والله قد أوحى إلى محمد آياتٍ مسيحية أيضاً، ولكن الشعب الذي أرسل إليه محمد لم يكن من الإدراك والثقافة بحيث يميل إلى الأخذ بالتعاليم العليا، وكانت حاجته ماسّة إلى الأساس القانوني الذي يجمع بين قبائله المتشعّثة، ويضمن العلاقات ويحدد طرق المعاملة، فلا تكون معلقة على تعاليم الفلسفة المناقبية التي علمها المسيح وجعلها تاجاً للشريعة وحكماً عليها. وكان الانتصار الأول للثقافة النفسية على حدود الشرع الجامدة. فانتصار العقل على الشرع حدث أولاّ بظهور التعاليم المسيحية؛ وأعظم أسباب نقمة اليهود على المسيح هو كونه خرج على نصوص الشرع وقال بتأويل الشرع لما يفيد الحياة ويحسّنها، بدلاً من التقيد بالنصوص، كما هو الحال في القرآن والتوراة. المسيح هو الذي قال: "لا تحكموا بحسب الظاهر، لكن احكموا حكماً عادلاً"(يوحنا 7 ـ 24) وهو قال هذا القول لأن اليهود نقموا عليه لإبرائه إنساناً يوم السبت المحرم العمل فيه عند اليهود حسب شريعة موسى، وكان قد قال قبل هذه الآية: "إن موسى أعطاكم الختان، لا انه من موسى بل من الآباء فتختنون الإنسان في السبت. فإن كان الإنسان يختن في السبت لئلا تنقض شريعة موسى أفتسخطون عليَّ لأني أبرأت الإنسان كلّه في السبت؟" (يوحنا: 7 ـ 22و23) وكان اليهود يعترضون، ليس فقط على إبراء الرجل في السبت، بل أيضاً على حمل الرجل سريره بعد شفائه، لأنه لم يكن يجوز في شريعة موسى أن يعمل شيء يوم السبت.

وكان الكتبة والفريسيون يجادلون المسيح دائماً ويحاولون أن يأخذوه بجريرة مخالفة الشريعة. والإنجيل مشحون بهذه المحاولات. وأهمّ محاولة كانت هذه: "ومضى يسوع إلى جبل الزيتون. ثم رجع باركاً إلى الهيكل، فأقبل إليه الشعب كلهم فجلس يعلّمهم. وقدم الكتبة والفريسيون إلى يسوع امرأة أخذت في زنى وأقاموها في الوسط. وقالوا يا معلم، إنّ هذه المرأة قد أخذت في الزنى. وقد أوصى موسى في الناموس (الشريعة) أن ترجم مثل هذه، فماذا تقول أنت؟ وإنما قالوا هذا تجريبياً له ليجدوا ما يشكونه به. أما يسوع فأكبَّ يخطّ بإصبعه على الأرض. ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم: "من كان منكم بلا خطيئة فليبدأ ويرمها بحجر". ثم أكبّ أيضاً يخطّ على الأرض. أما أولئك فلما سمعوا طفقوا يخرجون واحداً فواحداً، وكان الشيوخ أوّل الخارجين. وبقي يسوع وحده والمرأة قائمة في الوسط. فانتصب يسوع وقال لها: "يا امرأة أين الذين يشكونك، أما حكم عليك أحد؟". قالت: "لا يا رب" فقال يسوع: "ولا أنا أحكم عليك، اذهبي ولا تعودي تخطئين"." (يوحنا: 8 ـ 2 ـ 11).

في هذا المثل يظهر الصراع بين العقل والشرع بأجلى مظاهره. الشرع واضح لا شكّ فيه: الزانية ترجم في التوراة وفي القرآن تجلد كما جاء في الآية: {الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} (النور: 2) فلم يقتصر المسيح على قوله المطلق: "لا تحكموا بحسب الظاهر، لكن احكموا حكماً عادلاً"، بل وقف وحمل مسؤولية كلامه. ولم يضع شريعة جديدة تحلّ محلّ الشريعة السابقة في أمر الزنى، بل علّم بتحكيم العقل ليكون الحكم عادلاً وإن خالف نص الشريعة. وهو ما لم يجر مثله في القرآن أو الحديث وذلك لما بيناه آنفاً من أن محمداً أرسل إلى قوم كانوا مضطرّين إلى ما كان مضطرّاً إليه العبرانيون: شريعة توجد لهم نظاماً يوضح لهم المعاملات والحدود والجزاء، بدلاً من عادات الثأر والغزو واستبداد القويّ التي لا تقيم نظاماً، ولذلك نشأ هذا التوافق الكليّ بين الشريعة المحمدية والشريعة الموسوية في الشرع حتى في الجزاء ونوعه، كما في الآية: {يا أيّها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى الخ} (البقرة: 178) وفيها جوهر الجزاء المذكور في شريعة موسى.

وهذا يؤيّد كون محمد أرسل ليهدي بيئة لم تكن لها شريعة من قبل، وإلاّ لما وجد الوحي حاجة لتكرار ما ورد في التوراة وجاء محمد مصدقاً له. وإذا كان قد بقي في ذهن أحد شيء من الشك في ما نقوله، حتى بعدما أوردناه من الآيات القرآنية فإننا نؤيده بآيات أخرى كهذه الآيات: {وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربيّاً لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنّة وفريق في السّعير} (الشورى: 7) وهذه الآية هامة جداً، لأنها مكية، أي من الآيات التي لم يكن قد دخل فيها العامل السياسي الذي نلحظه في الآيات المدنية. {فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} (النساء: 41) {ولقد بعثنا في كلّ أمّة رسولاً الخ} (النحل: 36).

وقد أثبتنا في حلقة سابقة من هذه السلسلة(14حلقة) شيئاً من وصف القرآن لبيئة محمد. ولعل هذه الآية تعطي وصفاً أدقّ لتلك البيئة: {قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إنّ الله غفور رحيم} (الحجرات: 14).


هذه البيئة العريقة في البداوة لم تكن مؤهّلة لإدراك الإيمان الروحي وفهم تعاليم الفلسفة المناقبية. إنها بيئة لا تزال دون مرتبة هذه الفلسفة بمراتب. ولذلك أخذت السّور المدنية وجهة أقرب إلى البيئة وعقليتها من وجهة السّور المكية. ولذلك كان ظهور روحانية الرسالة المحمدية خارج العربة في سورية وفارس والأندلس. أما أهل العربة فظلوا تحت حكم الآية المذكورة أخيراً إلى اليوم، أي انهم أسلموا ولكن الإيمان الحقيقيّ لما يدخل قلوبهم. وهذه الحالة التي يشجبها القرآن هي التي يمدحها صاحب الحارضة الهجائية الذي لم يفهم من الإسلام إلاّ بقدر ما فهمته الأعراب، ولم يعرف شيئاً صحيحاً عن المسيحية أو عن المحمدية، وكان أحوج الناس إلى سماع محاضرات في هذين المذهبين ونشأتهما وطبيعة كلّ منهما، ولذلك قال عن الإسلام المحمديّ الذي وضع شرعاً يسمونه في علم الحقوق والسياسة "جامداً
Rigido" إنه وضع القواعد الروحية ـ الفكرية للتغلب على الشرع، وقال عن المسيحية التي علّمت تعاليم فلسفية مناقبية لتأويل الشرع على ما يوافق الأفضل للحياة الجيدة حسب حكم العقل إنها دين "يقتل المواهب ويهيض الأجنحة ويعصب على العيون الخ".

بعد الذي بيّناه في ما تقدم من هذه الحلقة نعود إلى نقطة هامة جداً وعدنا، في الحلقة السابقة، أن نعالجها في هذه الحلقة، وهي: أسباب الاتفاقات والمشابهات بين الرسالتين الموسوية والمحمدية اللتين لهما أساس واحد هو الشرع الذي رأينا أن أحكامه واحدة في التوراة والقرآن.

ألمعنا في ما تقدم من هذا البحث، خصوصاً في الحلقتين الأخيرتين، إلى أن الرسالة المحمدية هي أيضاً رسالة روحية تتجه في اتجاه الرسالة المسيحية عينه، ولكنّها اضطرّت لأخذ الأساس المادي بعين الاعتبار وتقديمه في المعالجة على البناء الروحي.

والحقيقة أن الرسالة القرآنية تقسم إلى قسمين: القسم الأول وهو المكيّ السابق للهجرة وفيه الآيات المكية المتجهة اتجاهاً روحياً على قدر ما تسمح به عقلية البيئة المحدودة العلوم والمعارف والاختبارات والأفكار والتصورات، والقسم الثاني هو المدنيّ المشتمل على الآيات المدنية والمتّجه نحو شؤون أوليات الاجتماع وضروريات بداءة إنشاء نظام اجتماعي عام يشمل جميع العرب ويحل محل العادات والعرف المقتصرة على القبائل وعلى حالات قليلة تقوم عليها الصّلات بين القبائل التي كانت قبيلة منها كأنها أمة ودولة قائمة بنفسها لا يجمع بينها غير عادة أو فريضة الحج إلى الكعبة والاصطلاح على ترك الغزو والثأر في شهر معيّن من السنة.

وفي هذا القسم يظهر عاملان رئيسيان هما: التشريع والسياسة. أما التشريع فلإقامة نظام عام يلغي خصوصيات القبائل ويوحّد العرب. وأما السياسة فلجعل نجاح الرسالة ونظامها ممكناً. وهذا العامل الأخير يظهر في أمر الجهاد الذي يُغري العرب بالغزو والسلب، وقد ظهر تأثير هذه الناحية في يوم بدر ويوم أحد، وفي تشويق العرب بصور الجنة المادية وفي التساهل في شؤون حياتهم، خصوصاً في النساء وتعدّد الزوجات، مراعاة لشهوات الصحراء الحادة ولاقتصار شؤون حياة العرب على الغزو والسبي والسلب ووقوف حياتهم الفنية والروحية على الفرس والرمح والمرأة. والمرأة أو أنوثتها كانت أقوى عامل في نفسية العربي، ولذلك اعتبر القرآن هذه الناحية مع ناحية الصور المادية للجنة حتى في الآيات المكية كما في قوله: {الّذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين. ادخلوا الجنّة أنتم وأزواجكم تحبرون. يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين وأنتم فيها خالدون. وتلك الجنّة التي أورثتموها بما كنتم تعملون. لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون} (آيات متتالية من سورة الزخرف المكية: 69 ـ 73) وقوله: {إنّ المتّقين في مقام أمين. في جنّات وعيون. يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين. كذلك وزوّجناهم بحور عين. يدعون فيها بكلّ فاكهة آمنين. لا يذوقون فيها الموت إلاّ الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم} (سورة الدخان مكية: 51 ـ 56).

التشريع في السّور المدنية مع العامل النفسي ـ السياسي الذي ازداد قوة في هذه السور هما اللذان أعطيا المحمدية أعظم فاعليتها. يضاف إلى ذلك كون النبي عربياً يخاطب جماعته رأساً: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} (التوبة: 128) وبلغتهم {كتاب فصّلت آياته قرآناً عربيّاً لقوم يعلمون} (فصلت: 3) وكون الرسالة إلهية أقوى في النفوس على الأصنام.

ولما كان هذان العاملان: التشريع والسياسة النفسية والعملية هما الأشد تأثيراً والأعظم شأناً في النفسية العربية العامة فقد قدّمت الآيات المدنية، حين جمع القرآن، على الآيات المكية إلا سورة الفاتحة، وهي آيات قليلة. والسبب هو أن السّور المدنية تشتمل على أصول المعاملات وقوانين العقود. وهي الممتازة بالحث والتحريض على الجهاد ومحاربة الكفار وزينة الجنة.

وقد أثبتت التواريخ العربية لسير الحركة العربية وفتوحاتها شدة تأثير هذين العاملين في النفوس العربية وعظم فاعليتهما. من ذلك ما ورد في "فتوح الشام" للواقدي. وروايته أنه لما عزم الخليفة أبو بكر على فتح سورية بدأ يوجه إليه الجيوش، وكان أول من عقد له يزيد بن أبي سفيان على ألف فارس، وربيعة بن عامر على ألف فارس. فأخذ يزيد، وكان مقدّماً على ربيعة، يجد في السير ولا يرحم الجيش فخاطبه ربيعة في ذلك فقال: "إن أبا بكر، رضي الله عنه، سيعقد العقود ويرسل الجيوش فأردت أن أسبق الناس إلى الشام فلعلنا أن نفتح فتحاً قبل تلاحق الناس بنا فيجتمع بذلك ثلاث خصال: رضاء الله عز وجل ورضاء خليفتنا وغنيمة نأخذها" (انظر الواقدي. طبعة مصر. صفر 1354 هـ. ص4) وفي خبر نزال خالد بن الوليد لكلوس في حرب دمشق أن خالداً أجاب مُنازله: "وأما ما ذكرت من بلادنا وأنها بلاد قحطٍ وجوع فالأمر كذلك، إلاّ أن الله تعالى أبدلنا ما هو خير منه فأبدلنا بدل الذرة الحنطة والفواكه والسمن والعسل" وهو ما وجدوه في الشام (الواقدي ص19). وفي جواب خالد بن الوليد لوردان في واقعة دمشق: "إن الله، عز وجل أغنانا عن صدقاتكم وأموالكم، وجعل أموالكم نتقاسمها بيننا وأحل لنا نساءكم وأولادكم" (الواقدي ص37) ولما بلغت أخبار انتصارات المحمديين الأولى في سورية إلى مكة تحرك أكابرها وأقبلوا على أبي بكر، وفي طليعتهم أبو سفيان والغيداق بن وائل، يستأذنونه في الخروج إلى سورية. روى الواقدي (ص39) "فكره عمر بن الخطاب خروجهم إلى الشام وقال لأبي بكر: "لا تأذن للقوم فإن في قلوبهم حقائد وضغائن، والحمد للّه الذي كانت كلمته هي العليا وكلمتهم هي السفلى وهم على كفرهم وأرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره، ونحن مع ذلك، نقول: ليس مع الله غالب. فلما سمعوا أن الله أعز ديننا ونصر شريعتنا أسلموا خوفاً من السيف فلما سمعوا أن جند الله قد نصروا على الروم أتونا لنبعث بهم الأعداء ليقاسموا السابقين الأولين" فسمع أبو بكر كلام عمر بن الخطّاب وأدرك أهل مكة السبب فاجتمعوا إلى أبي بكر وتظاهروا أمامه بصدق إسلامهم فرضي عليهم أبو بكر. هذه أمثلة من أمر تأثير الجهاد وما يجلبه من الغنائم.

أما أمر الجنة ونعيمها المادي وزينتها فقد روى الواقدي (ص 53) أنّ رافع بن عميرة، أحد أبطال المسلمين حدّث عن حزنه على موت يونس(3) في الحرب قائلاً: "فحزنت عليه وأكثرت من الترحّم عليه فرأيته في النوم وعليه حللٌ تلمع،وفي رجليه نعلان من الذهب وهو يجول في روضة خضراء فقلت له: "ما فعل الله بك؟" قال: "غفر لي وأعطاني بدلاً من زوجتي سبعين حوراء لو بدت واحدة منهن في الدنيا لكفَّ ضوء وجهها نور الشمس والقمر، فجزاكم اللّه خيراً" فقصصت الرؤيا على خالد (بن الوليد) فقال "ليس لي والله سوى الشهادة طوبى لمن رزقها".

 

 

الصفحة السابقة

الإسلام في رسالتيه 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11

الصفحة الرئيسية

www.ssnp.org

12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20 - 21 - 22 - 23 - 24

الصفحة التالية