تصميم

باريس، 1963

جئتك، يا باريس، في آخرة الشتاء

مستسلماً للنفي والهزيمة

في رحلة عمياء،

وكانت السماء

مستنقعاً يغص بالوحول

ينذر بالغياب والجريمة،

لكنني صممت أن أغوص في لهيب حوضك السري

كفارس مقتول

أغرق في عذابك الوحشي.


 

الجنين

باريس، 1963

في اللحظات الاولى

لحظات الفجر الاولى، كانت كل وجوه رفاقي

تنبض كالبركان

تطفر بين رياح اليقظة كالاوراق

كان الليل يضيق علينا في الاسواق،

كان جنين الثورة يصرخ فينا

يضرب رحم الصبر، يهدد بالطوفان

كان الصمت يدق نواقيس الميدان،

في اللحظات الاولى ...


 

 حزن

باريس، 17 شباط 1964

من مقهى في الحي اللاتيني

تتصاعد هذي الكلمات

كدخان سجائري المحتضره

كلمات جيوش منكسره؛

 

من مقهى في الحي اللاتيني

حيث رمادي يجلس في كرسي

يلبس صورة إنسان

يتناثر بين الجدران

يتساقط في جوف المقهى

في جوف المقهى اللامرئي.

 

حيث العالم بين حروفي

هرم يعرج، حيث الحي اللاتيني

حولي كهضاب من جرذان

يطعن حزني كالسكين.

 

في أوروبا،

تنمو للحزن أظافر

تقفز من أرقام الساعه

تسكن في صيحات الباعه،

 

الحزن هنا

ينزف ملء وجوه الناس، وينطق سما وخناجر

الحزن الاخضر خان خياتي

الحزن صديق مات

 

... لكن،

لكن عيناك هنا مطر

يتزاحم ما بين الابيات

يرقد بين جراحاتي

كصليب أحمر في الغابات.


معجزة

باريس، 7 نيسان 1964

خيم هنا على رؤوس الحراب

وارحل معي في نزهة للعذاب.

ارحل معي في صخرتي الخالده

ارحل معي في قلب هذا السراب

ما هم أنا، كلما اجتزت باب،

هاجمنا من صلبه ألف باب،

ما هم، نحن الطفل والوالده

نحبل من معجزة واحدة ...


المائدة

باريس، 1963

كنا على مائدة واحده

في بيتنا العتيق

وشمعة ساهده.

 

... ودق باب بيتنا صديق

يقول في بوابة البستان

عاصفة غريبة تكسر الاغصان.


نوم

كان، 27 آيار 1965

أنام في حقيبة النهار

أنا وأشيائي،

أنام بانتظار

قاطرة المساء.


وجهان

كان، 28 أب 1965

وجهان لي، وجه لذاكرتي

يطفو ويمسخ وجهي الثاني

وجهان لي،

                وجه ينابذني

يطفو، ويخنق وجه انساني.


صقيع

كان، 31 آيار 1965

على جمرة الشعر، ندفأ حيناً،

وحيناً، على قبلات امرأه

ولكننا في شتاء قريب

نموت، صقيعاً بلا مدفأه.


تساؤل

كان، 1 حزيران 1965

أسأل في أيهما أمضي:

                هذا الجسد المبحر بين يدي ؟

هذا البحر الراكد في عيني ؟

في أيهما أدفن جثة أرضي ؟


زمن الكسوف

كان، 9 حزيران 1965

نظلم كي نضيء

في قاعة المرايا

في شاشة الفصاحة البيضاء،

 

نظلم كالحروف.

بين حقول الورق العذراء

من أجل أن نقرأ، أن تضيء

في ظلنا، الزوايا

في زمن الكسوف.


مشروع

باريس، 11 كانون الأول 1965

أنام فيك، أترك العينين واليدين

يا وردة الرياح والجهات

وأخرج الحمام

من قفصي، من قفص الاعدام،

كي أسحر القضاه

كي أسرق الحياه

ولو للحظتين.


 

هجرة

باريس، 13 كانون الاول 1965

هاجرت نجمة شعري

في سماء الاخرين

فانطفأت

سكن العالم صدري

فرحلت

وتبللت بأمطار الحنين

فأحترقت.


سَهر

باريس، 17 تشرين ثاني 1965

أسهر في نحيبك الوردي

يا جاز، يا رمانة الضوضاء

يا نرجس الالم،

خذني الى صليبك الوضاء

صليبك السري،

يا منقذاً أصابعي من وطأة القلم.


 

بحث

باريس، كانون الاول 1965

استيقظت في مدينة الملاهي

في وطن الحناجر العطشى،

حيث وجدت العالم الكسيح

العالم الاعشى

يركض في متاهي

يبحث عن مسيح.


معرفة

باريس، 1965

... وفجأة ينتحر

يدرك أن الموت

خديعة كبرى،

أن الصدى

خيانة للصوت.


 

اتحاد

باريس، 1965

تنبض في عَينيّ

تنبض في يَديّ

تنبض في سريري

جنازة النهار؛

لا، ليس لي اختيار

                السفر المدمى

          السفر المليء بالدمار

          السفر المليء بالحمى

في سفن الدماء

حيث اتحاد الاسم بالمسمى

والارض بالسماء.


 

وحشة

(الى ج.م.س)  -  كان، 1965 

يسكن في آلامنا الساطعه

نداؤه الصديق

يهيب أن نغني

جراحنا في سطوة الحريق؛

 

وأنت، يا سيدة الجراح

غني لنا أحلامه الرائعه

في عتمة الصباح،

 

نكاد أن نموت، وحدنا،

في وحشة الطريق.


 

أمنية

باريس، 6 نيسان 1966

يا ليت لي حريتي الصغيره

حرية البحث عن السلام

حرية السقوط والنهوض والكلام

في مخدع الاميرة،

حرية الراغب أن ينام

حين تهب اليقظة المريره.


دعوة - 1

باريس، 27 أب 1966

أدعوك ان تقرأ نار الجنس

في دفتر الامطار،

أدعوك ان تعانق الاعصار

عند مضيق الجنس

جنازة، أو مولداً، أو عرس

للوطن المليء بالشرار.

 

 

دعوة 2

باريس، 27 أب 1966

للمرة الاخيره

أدعوك أن تمس يقظتي

بكلمة صغيره.


ضجر

1967 1968

دعوت الرياح التي تتثائب بين الشجر

إلى غرفتي

قرأت لها ما كتبت أخيراً، رويت لها قصتي

فنامت

تركت لها في فراشي مكاناً صغيراً، وقمت دعوت الشجر

فجاء بطيئاً يجرجر خلف خطاه جذور الضجر.


خيام

1968

كان مثلي غيمة ثم انهمر

فوق صحراء الوجوه القاحله

وتساقطنا معاً ... في طريق القافله

وانتظرنا ألف عام

كي نرى فوق الغصون الراحله

بعثنا، عبر الثمر

زهرة تنبىء عنا

برعماً يهمس أنا

صدفة، من ألف عام، قد تقمصنا المطر

وسقطنا

فوق صحراء الوجوه القاحله،

فعرفنا

صدفة، أيضأ، بأن القافله

حين مرت من تحتنا

هرعت، واختبأت تحت الخيام.


العودة اغتراب

1968

أراك، أم لا أراك ؟

أراك كي تراني

مختبئاً في دفتر الغياب

أراك في أوراق هذا الكتاب

مطارداً كالفهد في البراري

منتصراً في عصمة السراب

 

أراك في احتضاري

في كلمتيك: العودة اغتراب.


 

سبايا

 نسكن عين الليل في النهار

وحين  يأتي الليل

نسقط كالدموع فوق وجنة النهار،

نحن سبايا الحزن والضجر

في صدرنا للحب والسفر

اكثر من ينبوع.


صرخة

1968

يا صرخة في قلب هذا السكوت

تهب في الفضاء،

وبعدها، تغيب،

تقول لي: إني ضياء غريب

وبعدها، يموت.


قنبلة جنسية

1968

أحلم: قنبلة ذريه

تتعرى قدام المرآة

في قاعة عرض عربيه

تتبرج، تدهن بالكلمات

بعطور الشرق الروحية

كل الالات

كل الالات الجنسيه.


الطريق

1968 1969

 

تنويع أول

ذهبت، وكان الطريق معي

وحين وصلت، وجدت الطريق، بداية جرح على إصبعي.

 

تنويع ثان

ذهبت وكان الطريق رفيقاً حزيناً

يسير ورائي،

وحين وصلت، سمعت الطريق

ينوح ويصرخ تحت حذائي.

 

تنويع ثالث

مشيت، وكان الطريق صديقاً أميناً

فأودعته قدميّ

وحين تعبت، جلست ونمت، فقام الطريق

وسار عليّ.


اكتشاف

سميته الصحراء، والمدينة المهجوره

سميته القارورة المكسوره

في منزل الرعبِ،

في طرف من حيرة وتيه

ثم اكتشفت فيه

عن غفلة، قلبي.


أسئلة

باريس

الحياة تراكم كالقش حول صراخي

والصدى زهرة ذابله

تتياقط فوق حطام القصائد، فوق حطام الرؤى الماحله،

اليد التي قبلوها انحنت واستقامت

والرياح التي اسرجوها مضت. من صهيل

الرياح، وأي أضاف الى الارض صوتاً،؟

وأي الخناجر اكثر موتاً؟

وأي الكلام يقين؟


 

ضحايا

 كان مثلي شاعراً يصطاد ظله

ثم أدركنا معاً أن السراب

كان في أشعارنا الجيرى مظله

لسؤال ساذج دون جواب.

أننا كنا ضحايا

في صحارى الاغتراب.


ثلج

وطن يتعلم من جرحي

أن يكثر من زهر النعمان

يتعلم شعب من حزني

أن زمان الغربة مات،

 

أغصان دمي هجرتها

أطيار الكلمات

وحقول الشعر مغطاة بالثلج تنقرها الغربان

 

للشاعر وجه أم وجهان

وجه للحزن ووجه للحريه

من يعلن خاتمة الأحزان؟


 

لا راحة

حذار، بعد اليوم، أن نستريح

في ملعب الصراع

لكي نكون الريح

والعالم الشراع.


حكاية ظنون

منذ أعوام ظننت

أن أعدائي هناك

خلف تلك الهضبات الغسقيه

رابضون،

وحسبت

أنهم يحصون ليلاً ونهاراً كلماتي

ويحيكون الشراك

لحياتي،

أنهم يختبئون

في سراديب غريبه

تصل القدس بأوروبا، بأمريكا...  بأقمار عجيبه،

أنهم يمتلكون

مفتاح سير النجوم،

أنهم كالله يملكون مصيري، ومصير البشريه،

فارتجفت

وأنا طير صغير

مسلم للريح والشعر قيادي

في تلافيف الغيوم،

وسقطت

صدفة، في أرض أعدائي، هناك

فتنقلت بأطراف البلاد

وتعلمت الكثير.


زمن

قلبنا صفحات التاريخ، وقفنا في بعض الصفحات

نتجاذب أطراف المأساة

كنا اثنين: صديقي الوطن

وأنا. أغلقنا الدفتر، كان الزمن

يتأبط بركة ماء

وقصيدة فخر عربيه

ويمر أمام المقهى...

 

فوقفنا

وقف الاخطل يخطب فينا

فترنحنا فوق سطور النشوة كالاقلام

صفقنا وملأنا المقهى

بهتافات تحريريه...

 

وخرجنا نبحث عن ملهى

أو نغرق في أحد الافلام.


 

النار ماء

للنار هذا العالم المريض

للنار هذي الاوجه المهترئه

وهذه الضمادة التميمه

للنار، للحضيض

إلى متى تظل خلفها

جراحنا القديمة

فنادقاً وثيرة للأوبئه؟

 

لقد خبرنا منذ أول العصور آية الشفاء

لا طب، بعد الان، لا مسيح

كي نبرىء الجراح، وكيما ننقذ الجريح:

" الكي آخر الدواء "

والنار ماء.


 

مغامرة

أثقب جلد العالم المريض

أدخل في جرثومة الاشياء

أزوّج السكون للضوضاء

أولد في قرارة الحضيض.


 

تشي

أيها السيد، كنا ننحني

لسياط اللذة المستعجله

نحن أطفال السنين الموحله

لم يعلمنا أب أن نستقيم.

لم يعلمنا نبي واحد أن نشتهي

... باب الجحيم.


فرس الموت

تحت قميص الليل

كنا نوقظ جسد الثوره

نعصر، سرا، عنب الحزن

ونشرب خمره

كنا نسرج فرس الموت لنقطف زهره

(كنا نحسب أن العالم زهره) ...


 

الاحرف المشتعلة

سوف نمضي

أحرفا مشتعلة

في هشيم الصفحات

حيث لا شاعر،

لا ثائر،

لا برق يلوح

في صحارينا القديمه

يتهّجى معنا سفر الهزيمه

وتضاريس الجروح

سوف نمضي ....


 

تسمية

(الى الاب م. ح.)

تحت سماء الموت والميلاد

تشرق نجمة المجوس، من جديد،

وقيل ان ضوءها خبا...

لكنني رأيته ينهل كالشلال

في جبهة الاطفال

رأيته يقتحم الخيام والسجون

يغزو ضمير العالم المجنون

رأيته ينتفض فوق قبضة الجلاد،

 

رأيتها، رأيت نجمة الميلاد، من جديد

ما هم إن سميتها المسيح، أو سميتها زياد.


 

بقاء

الى محمد بوضيا

مر الكلام هنا، هنا

مر الكلام على ضفافك وانحنى

يا نهر، يا نهر الدموع

يا نهر، يا نهر الفرح

أدركت أنك راحل نحو المحيط بلا رجوع

كيما تعود مع الغيوم الى الجبال

مطراً، وأقواساً قزح،

أدركت أنك راحل لما أتيت

من جرح ليل الراكضين الى الصباح، وفي الصباح

لما هويت

في كل قبضة ثائر

في كل دفتر شاعر

في كل بيت

خلفت قلباً خافقاً نحو الكفاح

 

ها أنت تسكن في الجراح

ها أنت تطلع من ينابيع الرياح

الأرض تدرك أن صوتك لن يموت

الشعب يعلم ان صرختك المضيئة في الجبال

هزت جذوع النوم في جسد الرمال

هزمت مؤامرة السكوت.

 

سقطت قنابلهم سدى

شقطت على أطراف جرحك كالندى

بقيت لهم أشلاء جثتك الرقيقه

وبقيت فينا كالمدى

شررأً يمد على ضمائرنا حريقه.


تواطؤ حوار

 معي يتواطأ هذا الكلام

مع البشر الساهرين على شرفة دمي، تتواطأ حنجرتي وخطاي،

ومثلي جلدي جبان،

ومثلي يجهد ان يتسلح بالبرق والصور الرائعه

ومثلي يجلس، ثم يقوم لكي يتردد صوت الجلوس وصوت القيام

ومثلي رقيق، يكاد النسيم يمزقه كالغمام،

تمر الحجارة عبري، وتنتقل النجمة الساطعه

خلال ستائر روحي،

ويبدأ بيني وبين كلامي، حوار ...


وجهان

وجهان لي، وجه لذاكرتي

يطفو ويمسخ وجهي الثاني

وجهان لي،

وجه ينابذني

يطفو، ويخنق وجه انساني.

 

 


 

 بيانات متفرقة لشعراء الحصار

 

 

الوداع

أيها الشعر، وداعاً

انتهت رحلتنا

بين أدغال الكلام

وبساتين الجسد،

ان في اعماقنا جرحاً ينام

حان أن نوقظه

حان أن يوقظنا

من أراجيح الابد

نحن أجيال النيام

نحن شعب الكلمات المشرقه

والعيون الشبقه.

 

السراديب التي نسكنها

السراديب التي تسكننا

آن أن نهدمها

آن أن نرسمها

في كتاب الذكريات

شاهداً مر ومات.

 

أيها الشعر، وداعاً

انتهى عصر الكلام المخملي

وانتهى عهد السلام

بين جرحي والضماده

بين رأسي والوساده،

إننا ندخل عصراً بربري

طارحاً جمجمة الشعر العتيقه

بين أنقاض المعاهد

والمقاهي والملاهي والنوادي والمعابد

وبيوت الشعراء الحالمين

إنه عصر الحقيقه

إنه عصر اليقين

كل سعر ضله، ضل طريقه.

 

أيها الشعر، وداعاً

انتهت غربتنا

في تجاويف الرموز المقفله

فلنخلف للرياح

لعصور أقبلت، أو مقبله

كل أشعار النواح

ودوواين الضجر

ولنمزق في الصباح

راية الحزن القديمه

وجوازات السفر.

 

أيها الشعر، وداعاً

انتهت رحلتنا

وأمحى من خلفنا وجه الطريق

إننا ندخل تاريخ الحريق

وجحيم اليقظة المشتعلة

حيثما الحرف سلاح

خنجر أو قنبلة.

 

أيها الشعر، سلاماً

أيها الشعر الصديق

بدأت رحلتنا.


 

 

الكتب

 

1 -   كتب الشعر

الكتب اهتزت على الرفوف

ولفظت أحشائها السريه،

فالعيد للارقام والحروف

لجثث القصائد المنسيه،

الشعر كلمتان:

واحدة مدفونة في المكتبه

وكلمة قيامة في طرف اللسان.

 

 

 2- كتب الاطفال

 الكتب انهارت عن الرفوف

في حفلة الميلاد،

فصرخت والدتي، وابتهج الاولاد

وامتلأ الهواء بالحروف،

فاقترحت صديقتي أن نفتح الابواب

كي نطرد الحروف كالذباب

ووافق الضيوف

وبسملت والدتي وأسرعت بالمكنسه

لكنما الاولاد

تجمهروا من حولها وطوقوا ذراعها، وصرخوا:

"أستاذنا في المدرسه

علمنا: الحروف

تخرج كالطيور في الاعياد

تطوف في البيوت

فان تركناها

واعتصم الجميع بالسكوت

تعود وحدها للرفوف

وإن ضربناها

تحولت سرباً من الجراد

يقضم كل شيء:

الزهر والثمار والاطفال والسجاد

وصورة العذراء

 

وإن دعوناها إلى سهرتنا

فرقصت وانشدت وشربت من خمرنا

وأكلت من خبزنا الطري

تطير في نهاية المساء

تطير كي تصير

كواكباً في ظلمة السماء."


النزيف

 هرمت سبابتي بين السطور

غير اني قد تعلمت الطريقه:

ان أربي كلماتي كالصقور

كالوحوش الجائعة

بين أدغال الحقيقه.

طالما أهرقت عمري

مطرا فوق الرمال

قبلا فوق الصخور

طالما ...

طالما احرقت شعري كالبخور

في محاريب الخيال

ومقاصير الاحاجي

طالما علقت رفضي واحتجاجي

كالتميمة

حول أعناق التماثيل القديمة

حول أوراقي وأشواقي وناري وجنوني

وهتفت

من شبابيك ظنوني

بالجماهير: " تعالوا واقرأوني! "

وتكفنت بتيجاني ومت.

غير أني اليوم قد زحزحت صخري

وبعثت

من رماد التجربه

ونهضت

من دخان الصفقة المغتربه

من حطام الزمن المسقوف بالحلم وأزهار الغبار

خارجا من لوحة الرسام من انقاض مرآتي الصغيرة

لابسا عريي وصوتي وشراري

صاهرا وجهي في نار المسيره

 

ها أنا أولد في جمر الطريق

في ملايين العيون الزاحفه،

من كهوف الذل والحرمان

والحيرة والاثم العتيق،

من سراديب الحضارات العنينه،

نحو غابات الضياء.

ها أنا أمنح للريح ردائي

ومظلاتي الامينه

ها أنا أمنح الارض سمائي

ونجومي الزائفه

وعلى ايقاع جرح الارض والانسان

تنمو نبضاتي

وتهب العاصفه

من نزيف ساطع في كلماتي

وخطاي النازفه.


بلا تعليق

 خرجت كل القبيله

للعراء

ركعت، غنت، وصلت للسماء

طلبا للمطر

بقيت عشر أعوام طويلة

دون شكوى او عتاب

بانتظار القدر.

ثم لما، في السماء، العاصفه

حملت فجر الجواب

اعلنت، بالبرق والرعد، السلام

هرعت كل القبيله

بقلوب خائفه

هرعت واختبأت تحت الخيام.


غناء

جنيف 1970

مرت الريح وها نحن نغني

مرت النار وها نحن نغني

مرت الزلزلة الكبرى وما زلنا نغني

للفصول الاربعه،

أقسم العالم أن يرحل فينا

نحو غابات الضياء

فالغناء

لغة للعاشقين،

 

وغداً سوف تمر الزوبعه

وتظل الاغنيات

كالعصافير على كل الغصون

وتظل الكلمات

فوق أشجار الجنون

ثمراً للجائع، الشارد، أنغاماً جديده،

وإذا العالم مات

نبعث العالم في زهو قصيده.


انتظار

1970

حين غنيت، شاهدت كل النوافذ ترحل تحت المطر

حين غنيت، هب المسيح وكان الثمر

يتساقط من حاجبيه، ومن شفتيه، وكّم ردائه

وكانت سرايا النجوم تزوبع تحت حذائه.

وحين غنيت، أبصرت كل الجبال تهب وتنهض من نومها،

صرخت، وظل البشر

نياماً، وراء القبور

ومثل المسافر، مازلت منذ مئات العصور

أراقب فوق الرصيف مجيء قطار العجيبه.


صعود

1971

 صعد الموت إلي

بثياب الفقهاء

فتسلقت يدي

وتسللت الى جوف السماء

فوجدت الله يبكي بإنتظاري

وعلى ركبته، كان النبي

حاملاً مسبحة بيضاء من دمعي ودمع الشعراء.


سفر

29-1-1971

كأنها القبعات

وحيدة، تسير في شوارع المطر

بلا رؤوس؛

كأنها الحياة

تنوء تحت وطأة الخطر

تهم بالجلوس

في مقعد السفر.


عشب

جنيف، ايار 1971

أيها العشب، أيها الالم الاخضر كالجرح

في كتاب الطبيعه،

تستطيع الفصول أن تتكلم

عنك، عني، عن الدماء الوديعه

في عروق الايام، أن تتعلم

في ابتساماتنا، هدوء الفجيعه.


 

المسرح

بيروت، 1980

مثلكم تتراكض كل العصافير في شجر الاعتقال

مثلكم يتصاعد صوت الينابيع ذبحاً، وبعض الرجال

حاصروا الشاهد الوحيد على مسرح الاغتيال،

مثلكم، كنت ملقى وجرحي

ساهر، يتنفس صوت الرصاص، وحولي

وطن هارب (كنت ميتاً)،

مر من جانبي، رآني

مر من جانبي حارس الجرح، لكنه لم يشأ أن يراني.


مدار

 

-1-

هل الشعر يكفي لرسم خطاكِ ؟

وأنت صراخ الحياة، وكل الكلام الجميل، صداك.

 

-2-

تنحدر الاشجار والمراكب الصغيره

من شعرك الهارب بين الريح

فوق صخور جسدي ...

 

-3-

يا جنس، يا فصاحة الجسد

يا وطني

بين حدود االموت والحياة

يا لغة الغناء والابد.

باريس، 17-11-1965

 

-4-

بنيت في صياحكِ الزنجي

مدينتي الاخيره

بنيت في سرّتكِ الصغيره

عالمي السري.

باريس، 17-11-1965

 

-5-

... وأجمل رحلاتنا

في القطار الذي فاتنا.


الموجة

1967

كانت الموجة طفله

ولدت من سّرة الريح، وكانت

طفلة تولد، كالموجة، في ذاكرتي

هربت من شفتي

عندما قبلتها أول قبله.


جنون

جنيف، شتاء 1969

آتيكِ كالرمح الشريد، بلا طريق أو أدله

من قاع شهوتي الحرون

فأغيب فيك، أموت، أحيا، والجنون

يعدو أمامي كعاشق يصطاد ظله

وأطير اتبعه، ونهدك في يدي اليمنى مظله.


ضياع

جنيف، 1970

 اسقط في أدغالِك الورديه

كالرمح في المياه

أغيب في أحشائك السريه

كفاتح، كسائح

كجدول مشرد،

يبحث عن مجراه ...


النبع والمقصلة

الصخور الصخور الصديقه

الصخور التي تفصل خطواتنا

تنحني، تتجول موجاً رحيماً يراقب خطوتك المقبله

من وراء السهول، السهول العشيقه

من وراء المدائن والجزر المقفله

وذراعي طفل ينام، وينهض، يصرخ بين الرياح العتيقه

يقول لنهدك كل الكلام الذي لا يقال:

" تعال، أنا الحرب والسلم، والنبع والمقصله "


حطام

الكويت، 1974

أحس بصوتك يأتي كرمح

كرمح من الملح، يقبل نحوي، يغوص بجرحي

ويمشي معي في تلال الهواء الخفيه

أرى قدميك تمران في جسدي المتعب

مساء. أرى لهبي

يتصاعد منك ويمتد بين الشجر

وفوق حطام الصواري،

احس بوجهك يأتي كجرح

كقوس المطر

ليحرس حزني المسافر بين الصحاري

لأسمع فيه انهيار الحدود، وأفرأ فيه انتحاري.

والمح نهدك يأتي

يخيم فوقي مثل الغمامه

وكالكأس يعلو ... وينكسر الكأس فوق جراحي

ويلقي عليها حطامه.


لمح

2-2-1972

 حين مررت فيك وردةً في الماء

حين اكتشفت صدرك المسكون بالرياء،

أحسست أنني قطعت مجمل المسافه

كاللمح، بين المهد والضريح

عرفت أن الريح

أنِت، وأني وردة اللطافه.


لهاث

بيروت، 1973

 حملت شتائي اليك،

وهذا الزمان الذي يتفتت كالرمل بين يدي

حملك لك البحر والشعر

هذ الجنون الذي يتمرد حتى عليّ

حملت حرابي وموتي

وأغرقت صوتي

بأهدابك الراهبه

وعند الصباح، رأيت حياتي تلهث

كي تتسلق موجتك الهاربه.


طريق الموت

إلى سانت إكزوبري  -  1973

ابتعدي

لكي احس في دمي صداك، كي أراك

فلغتي مصابة بمرض المسافه

القلب لا يرى الاشياء جيداً

حين تظل في مجال العين واليد،

أحس صوتي في يدي مثل برتقاله

لانني عبرت من جدار الصوت

وها أنا أرى حياتي جيداً

لانني ابتعدت عنها في طريق الموت.


خزامى

1974

 خزامى،

لعينيكِ آتي بشوق المصلي

بشوق المسيح لحمل الصليب،

وقلبي، مثل الحمامة، يخفق حزناً وشعرا

وينشد بين يديك السلامه،

ولا أستطيع الوصول، لان شراك الحياة

تلاحقني مثل ظلي.

أمامك، يعصى على قلمي الشعر،

يصغر، يصغر حتى يكاد يصير كلاما.


 

زهرة الليل

1974

هجر النعاس قصائد الشعراء،

كان النهر يبحث عن سرير في الحقول

مرت فصول

وامتد خيط الحزن من جرحي إلى وجع التراب

وسألت شعرك ان يطول، وأن يطول ...

ويثير مشنقتي ومشنقة الملايين التي جاءت تخيم في السهول

جاءت تخيم في كتابي

أنا زهرة الليل المضاءة بالعذاب.


احتراق

 يقولون ان السماء بكاء

وان كلام السهول وساده

وانك مثلي أتيت على هودج من مطر

إلى حضرة الأنبياء

فأحرقت أول حرف بسفر الافول

وآخر حرف بسفر الولاده.


الرجوع 

بيروت، آب 1974

كانت سماؤك، حين كنت قريبة

تدنو وتهبط فوق وجهي كالحجاب

فرأيت كل الناس والاشياء، عبر حريرها الوردي،

ترقص كالقصائد في كتابي

وحسبت أني حالم

مزج الحقيقة بالسراب

وحسبت اني شاعر

يصطاد في بحر العذاب

جرحاً جديداً، زهرة وحشية بين الخراب

فعزمت أن أصحو على ضوء الغياب

ورحلت.

كنت معي حريقاً لا يهادن في الذهاب ولا الاياب

وظللت أحمل نارك الخضراء من باب لباب

ورجعت.

ها صمتي البليغ ينوء من حمل الجواب.


اقتبس الجنون

آب، 1974

 اقتبس الجنون

من لحمكِ المليء بالخطر

اقتبس المطر

من بعض ما تسكب في يدي

غيوم عينيكِ

لكن في عينّي

ما لا تراه العيون:

شوقي لان أكون

سفينة مجنونة ترسو

ما بين زنديك

سحابة وردية تفنى

في بحرها الاغنى

ما بين نهديك.


هرب

بيروت، 1974

 ورأيت انك ترحلين

بين السطور النازفه

ورأيت نهدك هارباً في العاصفه

والليل ينهض خلف شجرة ياسمين

كانت تنام وحيدة في قاع روحي كالجنين

وسألت نهدك كيف يهرب من يدي ؟

فأجابني:

هو هارب مني إليّ.


الصدى

1974

 سألتُ النجوم التي تتساقط حولك مثل الندى

سألتُ الصحارى، سألت البحار، سألت المدى

سألت بأي طريق أمر اليك

وألقي مراسّي بين يديك،

سألت وكان جواب سؤالي الصدى.