تصميم

باريس، 1963

جئتك، يا باريس، في آخرة الشتاء

مستسلماً للنفي والهزيمة

في رحلة عمياء،

وكانت السماء

مستنقعاً يغص بالوحول

ينذر بالغياب والجريمة،

لكنني صممت أن أغوص في لهيب حوضك السري

كفارس مقتول

أغرق في عذابك الوحشي.


 

الجنين

باريس، 1963

في اللحظات الاولى

لحظات الفجر الاولى، كانت كل وجوه رفاقي

تنبض كالبركان

تطفر بين رياح اليقظة كالاوراق

كان الليل يضيق علينا في الاسواق،

كان جنين الثورة يصرخ فينا

يضرب رحم الصبر، يهدد بالطوفان

كان الصمت يدق نواقيس الميدان،

في اللحظات الاولى ...


 

 حزن

باريس، 17 شباط 1964

من مقهى في الحي اللاتيني

تتصاعد هذي الكلمات

كدخان سجائري المحتضره

كلمات جيوش منكسره؛

 

من مقهى في الحي اللاتيني

حيث رمادي يجلس في كرسي

يلبس صورة إنسان

يتناثر بين الجدران

يتساقط في جوف المقهى

في جوف المقهى اللامرئي.

 

حيث العالم بين حروفي

هرم يعرج، حيث الحي اللاتيني

حولي كهضاب من جرذان

يطعن حزني كالسكين.

 

في أوروبا،

تنمو للحزن أظافر

تقفز من أرقام الساعه

تسكن في صيحات الباعه،

 

الحزن هنا

ينزف ملء وجوه الناس، وينطق سما وخناجر

الحزن الاخضر خان خياتي

الحزن صديق مات

 

... لكن،

لكن عيناك هنا مطر

يتزاحم ما بين الابيات

يرقد بين جراحاتي

كصليب أحمر في الغابات.


معجزة

باريس، 7 نيسان 1964

خيم هنا على رؤوس الحراب

وارحل معي في نزهة للعذاب.

ارحل معي في صخرتي الخالده

ارحل معي في قلب هذا السراب

ما هم أنا، كلما اجتزت باب،

هاجمنا من صلبه ألف باب،

ما هم، نحن الطفل والوالده

نحبل من معجزة واحدة ...


المائدة

باريس، 1963

كنا على مائدة واحده

في بيتنا العتيق

وشمعة ساهده.

 

... ودق باب بيتنا صديق

يقول في بوابة البستان

عاصفة غريبة تكسر الاغصان.


نوم

كان، 27 آيار 1965

أنام في حقيبة النهار

أنا وأشيائي،

أنام بانتظار

قاطرة المساء.


وجهان

كان، 28 أب 1965

وجهان لي، وجه لذاكرتي

يطفو ويمسخ وجهي الثاني

وجهان لي،

                وجه ينابذني

يطفو، ويخنق وجه انساني.


صقيع

كان، 31 آيار 1965

على جمرة الشعر، ندفأ حيناً،

وحيناً، على قبلات امرأه

ولكننا في شتاء قريب

نموت، صقيعاً بلا مدفأه.


تساؤل

كان، 1 حزيران 1965

أسأل في أيهما أمضي:

                هذا الجسد المبحر بين يدي ؟

هذا البحر الراكد في عيني ؟

في أيهما أدفن جثة أرضي ؟


زمن الكسوف

كان، 9 حزيران 1965

نظلم كي نضيء

في قاعة المرايا

في شاشة الفصاحة البيضاء،

 

نظلم كالحروف.

بين حقول الورق العذراء

من أجل أن نقرأ، أن تضيء

في ظلنا، الزوايا

في زمن الكسوف.


مشروع

باريس، 11 كانون الأول 1965

أنام فيك، أترك العينين واليدين

يا وردة الرياح والجهات

وأخرج الحمام

من قفصي، من قفص الاعدام،

كي أسحر القضاه

كي أسرق الحياه

ولو للحظتين.


 

هجرة

باريس، 13 كانون الاول 1965

هاجرت نجمة شعري

في سماء الاخرين

فانطفأت

سكن العالم صدري

فرحلت

وتبللت بأمطار الحنين

فأحترقت.


سَهر

باريس، 17 تشرين ثاني 1965

أسهر في نحيبك الوردي

يا جاز، يا رمانة الضوضاء

يا نرجس الالم،

خذني الى صليبك الوضاء

صليبك السري،

يا منقذاً أصابعي من وطأة القلم.


 

بحث

باريس، كانون الاول 1965

استيقظت في مدينة الملاهي

في وطن الحناجر العطشى،

حيث وجدت العالم الكسيح

العالم الاعشى

يركض في متاهي

يبحث عن مسيح.


معرفة

باريس، 1965

... وفجأة ينتحر

يدرك أن الموت

خديعة كبرى،

أن الصدى

خيانة للصوت.


 

اتحاد

باريس، 1965

تنبض في عَينيّ

تنبض في يَديّ

تنبض في سريري

جنازة النهار؛

لا، ليس لي اختيار

                السفر المدمى

          السفر المليء بالدمار

          السفر المليء بالحمى

في سفن الدماء

حيث اتحاد الاسم بالمسمى

والارض بالسماء.


 

وحشة

(الى ج.م.س)  -  كان، 1965 

يسكن في آلامنا الساطعه

نداؤه الصديق

يهيب أن نغني

جراحنا في سطوة الحريق؛

 

وأنت، يا سيدة الجراح

غني لنا أحلامه الرائعه

في عتمة الصباح،

 

نكاد أن نموت، وحدنا،

في وحشة الطريق.


 

أمنية

باريس، 6 نيسان 1966

يا ليت لي حريتي الصغيره

حرية البحث عن السلام

حرية السقوط والنهوض والكلام

في مخدع الاميرة،

حرية الراغب أن ينام

حين تهب اليقظة المريره.


دعوة - 1

باريس، 27 أب 1966

أدعوك ان تقرأ نار الجنس

في دفتر الامطار،

أدعوك ان تعانق الاعصار

عند مضيق الجنس

جنازة، أو مولداً، أو عرس

للوطن المليء بالشرار.

 

 

دعوة – 2

باريس، 27 أب 1966

للمرة الاخيره

أدعوك أن تمس يقظتي

بكلمة صغيره.


ضجر

1967 – 1968

دعوت الرياح التي تتثائب بين الشجر

إلى غرفتي

قرأت لها ما كتبت أخيراً، رويت لها قصتي

فنامت

تركت لها في فراشي مكاناً صغيراً، وقمت دعوت الشجر

فجاء بطيئاً يجرجر خلف خطاه جذور الضجر.


خيام

1968

كان مثلي غيمة ثم انهمر

فوق صحراء الوجوه القاحله

وتساقطنا معاً ... في طريق القافله

وانتظرنا ألف عام

كي نرى فوق الغصون الراحله

بعثنا، عبر الثمر

زهرة تنبىء عنا

برعماً يهمس أنا

صدفة، من ألف عام، قد تقمصنا المطر

وسقطنا

فوق صحراء الوجوه القاحله،

فعرفنا

صدفة، أيضأ، بأن القافله

حين مرت من تحتنا

هرعت، واختبأت تحت الخيام.


العودة اغتراب

1968

أراك، أم لا أراك ؟

أراك كي تراني

مختبئاً في دفتر الغياب

أراك في أوراق هذا الكتاب

مطارداً كالفهد في البراري

منتصراً في عصمة السراب

 

أراك في احتضاري

في كلمتيك: العودة اغتراب.


 

سبايا

 نسكن عين الليل في النهار

وحين  يأتي الليل

نسقط كالدموع فوق وجنة النهار،

نحن سبايا الحزن والضجر

في صدرنا للحب والسفر

اكثر من ينبوع.


صرخة

1968

يا صرخة في قلب هذا السكوت

تهب في الفضاء،

وبعدها، تغيب،

تقول لي: إني ضياء غريب

وبعدها، يموت.


قنبلة جنسية

1968

أحلم: قنبلة ذريه

تتعرى قدام المرآة

في قاعة عرض عربيه

تتبرج، تدهن بالكلمات

بعطور الشرق الروحية

كل الالات

كل الالات الجنسيه.


الطريق

1968 – 1969

 

تنويع أول

ذهبت، وكان الطريق معي

وحين وصلت، وجدت الطريق، بداية جرح على إصبعي.

 

تنويع ثان

ذهبت وكان الطريق رفيقاً حزيناً

يسير ورائي،

وحين وصلت، سمعت الطريق

ينوح ويصرخ تحت حذائي.

 

تنويع ثالث

مشيت، وكان الطريق صديقاً أميناً

فأودعته قدميّ

وحين تعبت، جلست ونمت، فقام الطريق

وسار عليّ.


اكتشاف

سميته الصحراء، والمدينة المهجوره

سميته القارورة المكسوره

في منزل الرعبِ،

في طرف من حيرة وتيه

ثم اكتشفت فيه

عن غفلة، قلبي.


أسئلة

باريس

الحياة تراكم كالقش حول صراخي

والصدى زهرة ذابله

تتياقط فوق حطام القصائد، فوق حطام الرؤى الماحله،

اليد التي قبلوها انحنت واستقامت

والرياح التي اسرجوها مضت. من صهيل

الرياح، وأي أضاف الى الارض صوتاً،؟

وأي الخناجر اكثر موتاً؟

وأي الكلام يقين؟


 

ضحايا

 كان مثلي شاعراً يصطاد ظله

ثم أدركنا معاً أن السراب

كان في أشعارنا الجيرى مظله

لسؤال ساذج دون جواب.

أننا كنا ضحايا

في صحارى الاغتراب.


ثلج

وطن يتعلم من جرحي

أن يكثر من زهر النعمان

يتعلم شعب من حزني

أن زمان الغربة مات،

 

أغصان دمي هجرتها

أطيار الكلمات

وحقول الشعر مغطاة بالثلج تنقرها الغربان

 

للشاعر وجه أم وجهان

وجه للحزن ووجه للحريه

من يعلن خاتمة الأحزان؟


 

لا راحة

حذار، بعد اليوم، أن نستريح

في ملعب الصراع

لكي نكون الريح

والعالم الشراع.


حكاية ظنون

منذ أعوام ظننت

أن أعدائي هناك

خلف تلك الهضبات الغسقيه

رابضون،

وحسبت

أنهم يحصون ليلاً ونهاراً كلماتي

ويحيكون الشراك

لحياتي،

أنهم يختبئون

في سراديب غريبه

تصل القدس بأوروبا، بأمريكا...  بأقمار عجيبه،

أنهم يمتلكون

مفتاح سير النجوم،

أنهم كالله يملكون مصيري، ومصير البشريه،

فارتجفت

وأنا طير صغير

مسلم للريح والشعر قيادي

في تلافيف الغيوم،

وسقطت

صدفة، في أرض أعدائي، هناك

فتنقلت بأطراف البلاد

وتعلمت الكثير.


زمن

قلبنا صفحات التاريخ، وقفنا في بعض الصفحات

نتجاذب أطراف المأساة

كنا اثنين: صديقي الوطن

وأنا. أغلقنا الدفتر، كان الزمن

يتأبط بركة ماء

وقصيدة فخر عربيه

ويمر أمام المقهى...

 

فوقفنا

وقف الاخطل يخطب فينا

فترنحنا فوق سطور النشوة كالاقلام

صفقنا وملأنا المقهى

بهتافات تحريريه...

 

وخرجنا نبحث عن ملهى

أو نغرق في أحد الافلام.


 

النار ماء

للنار هذا العالم المريض

للنار هذي الاوجه المهترئه

وهذه الضمادة التميمه

للنار، للحضيض

إلى متى تظل خلفها

جراحنا القديمة

فنادقاً وثيرة للأوبئه؟

 

لقد خبرنا منذ أول العصور آية الشفاء

لا طب، بعد الان، لا مسيح

كي نبرىء الجراح، وكيما ننقذ الجريح:

" الكي آخر الدواء "

والنار ماء.


 

مغامرة

أثقب جلد العالم المريض

أدخل في جرثومة الاشياء

أزوّج السكون للضوضاء

أولد في قرارة الحضيض.


 

تشي

أيها السيد، كنا ننحني

لسياط اللذة المستعجله

نحن أطفال السنين الموحله

لم يعلمنا أب أن نستقيم.

لم يعلمنا نبي واحد أن نشتهي

... باب الجحيم.


فرس الموت

تحت قميص الليل

كنا نوقظ جسد الثوره

نعصر، سرا، عنب الحزن

ونشرب خمره

كنا نسرج فرس الموت لنقطف زهره

(كنا نحسب أن العالم زهره) ...


 

الاحرف المشتعلة

سوف نمضي

أحرفا مشتعلة

في هشيم الصفح