الصخر

خلصت مرساتي من الصخر،

ومشيت من بحر الى بحر:

الريح رباني

وسفينتي انقاض انسان

فوجدتني، في آخر الدهر،

ارسو على الصخر،

فحضنته، وبكيت من ذعري !


 

   في خليج النوم

في خليج النوم ترسو كلماتي

مثلما ترسو حياتي

ويدي شلت على المجذاف

في قعر الدواة

تشرب النوم، مع الحبر،

وأفيون الصلاة.

انت يا مركبتي الحسناء،

يا جعبة اشعاري الاسيرة

امطري فوق صحاريَّ الكثيره

امطري سهدا ورعدا وعذاب

فسريري صار سجناً ضيقاً من غير باب.

ايها اللص الذي يسرق منا نصفنا

يا رسول السرطان

يا يهوذا اليقظة السفاح،

يا شرك الزمان

انت تستقطر منا عنفنا

قطرة من بعد قطره

تجعل الموت لنا مأوى ودار

تتهجى ضعفنا

تتهجانا مساجين وقتلى

عند اقدام النهار.

حينما يخفق خفاش النعاس

حول اجفاني العنيده

يسعل القبر بوجهي

كل ساعاتي الشهيده.

 

لحظة أو لحظتان

وجناحاي على كف العدم

مضغة ملعونة منذ القدم

والمصابيح التي اخزن بها صوري

انطفأت بين ريح السفر.

 

انما لي غربة تنسخ دنيا الاخرين

تتخطى عقرب الساعات في لوح السنين

غربتي بين جيوش النائمين

انني ابصر في النوم قبور الساهرين.

 

امتطي صهوة رعبي

خلف عاج اليقظة المحتضره،

ارسل الشمس على سّبابتي

تتقفى اثره

 

ربما قالت: هنا نحيا حياة الاخره

حرة مجنونة، مستهتره،

خارج السجن الطويل

في النهارات المضيئه

حيث كنا للخطيئه

بعض اشباح رديئه

ونقاطا حائرات ضائعات في محيط الدائره.

 

ربما قالت: هنا عالمنا

وحياة اليقظة البرصاء

كابوس ثقيل

رابض فوق خلايانا البريئة

جاعلا منا تماثيل وظلا

لالهٍ مستحيل.

 

ربما قالت:

هنا وهناك وجه القدر

بلباس آخر.


 

الصياد

مهاجر، وعاطل عن البكاء

وليس في حقائبي عزاء.

 

طريدتي تلحق بي،

تحيط بي،

كالظل، كالهواء

وليس في حقائبي رجاء.

صياد:

اركضُ في برية العناد،

واصبعي على الزناد

اعلم ان بندقيتي

خالية من الرصاص

ولا مناص.

 

اظل راكضا ادور،

في ارجاء محنتي،

مدججا باليأس والغرور،

اسأل عن طريدتي

مذ خُلقْت، في حقيبتي

طريدتي التي تنام خلف جلدي النحيل

اتبعها من ألف ألف جيل

وليس من خلاص

هذا القصاص الراكضين خلف ظلهم ..

 

نْعَم القصاص !


 المجنون هو الانسَان الكامل

 

1 زائر جميل

 يجلد بابي سوط الجنون

يجلد بابي

اي اله يصرخ، يبكي

خلف ثيابي ؟

 

يجلد بابي، يلسع اوتاري الخرساء

ويخلفني، عند ضفاف الرعب الاسود،

طفلا يلعب او حرباء.

ها قد اقبل ملك الجن،

فوق بساط الريح،

يسرج خيل الفن،

ينبش كل ضريح،

يهتك سر الكلمة

سر الخطر الميت

آه الكلمه

جرذ يأكل خبز البيت.


 

2 زواج مع الموت

يا أصحابي اني تركت لكم اشعاري ومجاذيفي

في ادراج الصيف

ووهبت لكم عصر الوطواط

فغداً حين يمزق جلدي

هذا الملك الضيف

سأغادر من بوابة نهدي

كي أقطن كوناً من مطاط.

الساعة ترضع انفاسي

ما اقسى دقات الساعه

والجمهور الغاصب يغلي

ويحطم جدران القاعه :

لا تغصب يا طفلي الاحمقْ،

يا أسيادي المخلوعين

الكلمات الحلوة اضيق

من ضحكات المعتوهين.

هذي سفني المجنونة-

سفن الرفض ِ

تمخر احجار الارض ِ.

سئمت، سئمت روحي

هذي الشَفة الرْخوه-

ماء البحر

فلتسكت افواه الحبر

ولتنطقْ آذان الصخر

هذا العالم، شيخ، يشتم، يجري

نحو سرير القبر ..

ان الموت جنون اخضر يغري.


3 قصور الجريمة

وجههم يغزو عصافيري وأصنامي الصغيره

وجههم يفقأ عينيه على وجهي،

وأقداري، وحبي

ويغطي، عن عيوني، وجه ربي

وجههم وجهي الذي ماتت به شمس الظهيره.

اتخموني، اتخموا مستقبلي

بسراب الامل ِ

جَّوعوني، جوعوا حزني الخصيب

بالهتافات العقيمه

وبنوا، في كوخي الحر الحبيب،

الف قصر للجريمه.


 

4 صحارى النوم

ها انا اقضم ظفري

عند باب المقبره

ها هنا يبدأ عمري

في رماد الغار، في صومعة منكسِره ..

 

ليكن، يا رب، قبري

للمساجين النيام

مركبا يجتاز طوفان الظلام

وصلاة في هدير المجزره.

ليكن موتي طريقا للجنود الضائعين

في صحاري النوم،

في أرحام تجار اليقين

ربما يحيا، بموتي، بعض جيش الميتين.

 

أسْكِتوا دقات ساعاتي البطيئه

افتحوا أخشاب تابوتي الصديئه

واقرعوا أجراس شعري

واتركوني

بين أنياب المجانين القدامى،

من طغاة ويتامى،

ودعوهم يذبحوني

يأكلوا لحمي، وأطفالي، وأمسي،

والملايين التي تحفر، في قلبي ورأسي،

قصة الموت وتاريخ الجنون.

 


 

5 وردة الجنون

الجنون

شبح يزهر في القلب

وينمو في العيون

الجنون :

المسيحُ المقبل الرافض أثقال القرون

حاملا كرباجه الاحمر

كحلا للجفون.


 

 الموت في الجبال

 مشنقتي منصوبة في الجبال،

والريح ثلجيَّه،

وصيحة الجلاد تأتيني

في قلب أحجيَّه.

 

شدوا سروج الموت يا رجال

فالليل في زوال

وراية النصر التي أجهضت

في الوحل مَرميه.


  

عائد على جواد الهزيمة

 على رصيف عينيك الشتائيَّتينْ

أسند أتعابي وأحزاني

أخلع عينيَّ الرسوليَّتينْ

أخلع أكفاني.

 

يا وطني الصغير،

يا بحيرتي الوديعه،

يا قلعتي المرصودة ِ المنيعه.

اليوم عدت مرهقا من رحلتي البعيده

منطفئا، ممزقا، في الريح، كالجريده.

 

دفنتُ مجدي المناضل الكسيح

تحت رمال الشعر والعقيده،

بكيت عند قبره الفسيح

حتى بكت حجاره الحقوده،

خلفت جثتي، هناك في سكونها البهيّ،

تنتظر المعجزة الجديده،

تعيش في أسطورة المسيح.

 

قبلتُها كما تقبلين جرحي الشهيّ

ودعتها،

نَّكستُ راياتي لها،

وعدت في صحرائي العظيمه،

على جواد الحزن والهزيمه،

أبحث عن وسادة وفيّ،

اسأل عن واحاتك القديمه.


 

غربال

 بركانكم يثور في قلبي

يا اخوة الشقاء

نوافذا مسرعة الى الضياء.

 

بركانكم يشك في صدري

صلبانه العاشقه

ويغرس الجمر على قبضتي

وفي فمي الصاعقه.

 

محراثكم، يا خوتي،

يطوف في السماء

يكهرب الغيوم بالغناء

فتسرع الامطار نحونا

وكل قلب عندنا وعاء

لكننا، يا ممطرون،

بعدنا على شواطىء المساء،

جائعون، ظامئون

قلوبنا لا تمسك المطر

قلوبنا غربال

والليل ما يزال

يعيش في انتظار ساعة القَدَر.


 

الصنم المهاجر

1958

- 1 -

أبحث عن عاصفة مُرَّة ٍ

تجتاحني، تجتاح جدراني

تخطفني لعالم ثان

لعالم يعلو على الارض ِ

والحب والبغض

لعالم تخضرُّ في لحمه

خناجر الرفض.

 

- 2 -

خطاي اذرع مبتورة تجول في الفضاء

وخاطري حقيبة صغيره

تغص بالضباب والالم.

 

مسافر أسابق الامام

والامامَ، كلما تلمست رؤاي شاطئه

وضَّوئت مخابئه،

يفر، كالسراب، للبعيد، للامام ِ، للعدم

ما همه كم مات في الطريق من قدم.

مسافر - يدي اشارة مسافره

أضم، في عروقها، صرير خيبتي المكابره

كأنما لخطوتي، لوقعها المحّنط ِ،

صدى القرون الغابره.

 

- 3 -

أوُّد ان يلمني الصباحُ،

عن أظافر السؤال، جثة معقوفة الانامل

أوُّد يا شواطىء النسيان،

ان تموت جمرة الرحيل في مفاصلي

فأحرق الاشرعة الساحرة العذراء

تصدح، كالخطيئة الاصيله،

في مدخل الميناء

أواه، يا "أوليس" لو أعود

لا غار فوق جبهتي ولا وعود

أعود لا "بنلوبّ" في انتظاري

لا بيرقا ترفعه القبيله

علامة انتصاري

أعود كلُّ غاري

ان أرتمي

في قعر ذاتي المهَّدم ِ

كالصنم.

 

- 4 -

ها انذا، يا أفقي الحميم

يا شواطئي المسافره،

 

أعاشر اللهيب كل برهة

لعل في اللهيب شرفة على غد ٍ -

على يد ٍ

تخطفني، تطلقني

من عتمتي، من كفني

من عالمي المعفن

لعل فيه مدية صديئة

تجرحني

تذبحني

تصُّب، في عمائقي،

 

منائراً جديدة - مصائراً جديدة

تحيلني عواصفاً وأحرفاً

وحشية الحرائق.

 

- 5 -

ها أنذا .. تجمد اللهيب خلف أضلعي

فأضلعي زوارق هزيلة

تناضل الجليد والصدى معي.

 

سئمت، انني احس طعمة الرماد في فمي

وموجة ذليلة من الرمال

غلغلتْ في قدمي.

 

مرهقة، ضائعة، ايتها الدروب، خطوتي

رتيبة ملامحي

تعبت .. ها روائح الفصول

عششت على يدي

على غدي

وها خطاي أذرع تجوب في في الفضاء

سلسلة من الحفر

زائغة مشرورة في طرف الصحراء.

 

- 6 -

أيتها الأجّنة الزاغبة الجناح والبصر

أيتها القوارب المسافره :

تحطمي بلا ألم،

بلا ندم

وعانقي، بهدأة الرضى، بنشوة الرضى، عواصف

العدم.


طيور الحزن

يا طيور الحزن نامي خلف صدري

وابتني قريتك السمراء في أغصان شعري

لك هذي الغابة الجرداء في صحراء عمري.

 

ها أنا اغرق في نوء من الالفاظ،

في عاصفة غضبي من الايدي النحيله

ها بحيرات النعاس المر،

في أدغال اشواقي، تغلي

بالعيون الحمر والاظفار والحمى الطويله

وشراع الحبر ما زالت صواريه على موج السهوله

مثقلات بالعصافير القتيله

والاناشيد الرتيبه

مثقلات بالمصيبه.

هذه اشواقنا المنتحره

لبست جثتها في المهرجان

يا نسور الالم المستعره

لاحقيها واكشفي عورتها

افضحي قصتها عبر الزمان.


أنا والشك

1956

أنا والشك حبيبان قديمان التقينا

بعد طول الاغتراب ِ

بعدما أطفأت الحكمة

وجه الشمس فينا

فانزوينا نمضغ الوهم سراباً في سراب.

أنا والشك إلهان قديمان التقينا

يا طريقي،

ما الذي أعددت ِ كي تستقبلينا

زحزحي وردك عنا

سكر الزنبق منا

والبخور الابله المنذور

قد غلَّ يدينا بيديه

أخمديه

ابعديه

مات لون الحب فيه

منذ ان كان وكنا.


ميناء اليقظة

أوسمني صدئت، ولوائي

يتناثر بين الاشلاء

من ثلج أمضي لجحيم ٍ

من صيف أعدو لشتاء

مأساتي أكبر من حرفي

أكبر من كل الاسماء

تأكل من حزني وجراحي

ما أطيب جرح الشعراء.

 

أنا جيل الوهم - غرست يدي

بالرمل، وفأسي بالماء

وقطفت أعاصير الدنيا

وجصدت جميع الانواء

فاذا بي أركض مذعوراً

أجتر مسافة صحرائي

وسرابي يهرب قدامي

ومصيري ينسل ورائي

كبقايا جيش منهزم

يطردها جيش الاعداء ..

 

يا سيف اليقظة ها عنقي

في حدك دائي ودوائي

اضرب، لا ترحم ذاكرتي

وتجاهل غضبة أشيائي

الحلم محيط مفترس

وجراحك مدخل مينائي.


الغربان

أشواقنا المتعرجات تسوقنا

تلقي بنا،

في ردهة التاريخ، كالغرباء،

تستجدي فُتات الاغنياء

 

أشواقنا المتسولات

عواهر متكالبات

حول النوافذ، والموائد، والحياة

تمضي، كأسراب من الغربان،

تأكل جثة الدنيا

وتنبح للزمان :

منقاري الجوعان

يطلب جثة أخرى

وليس سوى الفطام

منقاري المسكين يسأل جثة أخرى

وليس سوى العظام

بريت على وجه العظام.


سرير للموت واللذة

موتي على السرير

يا ذئبتي الضاريه

لحظة تغرقين بالسعير

لحظة تولدين عاريه

من جسدي المستهلك الحزين

لحظة آتي عارياً

منك ولا تنتبهينْ

لحظة كل العالم انتهى

في صرخة محمومة أو أنين

موتي هنا

الرَحِم الاول قد أغلقتْ

أبوابه في وجهنا

هنا لنا في شبق المقصله

مسيرة أخرى على الجلجله

سفينة نوحية أخرى

في بحر هذا العالم العنين.


اغنية صوفية

1957

مري على دربي ولا تبخلي

ات تلهبي دربي

أن تفلتي، من سجنه، قلبي

أن تجعليني صارياً ضائعاً

في ضوئك الرحب ِ.

 

على صقيع الان أنت معي

حلم سرابيٌّ

يمتصه، كالموت، في أضلعي

شوق بدائيٌّ.

 

رحماك مري، واحرقي وحدتي

في وحدتي جوع الى النار

ناقوسها المرصود من أعصر

يحيا على ميعاد اعصار.

 

إني، هنا، أقتاتُ آلامي

في حفرة بارده

لا ضوء، لا أغنية شاردة

تجتاح أيامي.

 

يشدني، في عتمتي الكبرى،

خيط من الامس ِ

ترتج في ألوانه الذكرى

كالظل، كالشمس

كأن نفسي غابة من ضباب

تحبو على الكون

دّورت فيها :

لا غد، لا جواب

غير الصدى دوني.

 

اني، هنا سَّمرتُ أجفاني

في المغلق العاتي

ان تشرقي تنهدُّ جدراني

تنهدُّ في ذاتي.

مري وخلي الثلج في أعرقي

ينساح كالسيل

مري، أطلي، مزقي، أحرقي،

في داخلي، ليلي.


أشواق منقسمة

ما بين ضفتين

سجنتُ أشواقي

أوّزعُ الحب على دفعتين

وأدفن الباقي

في حيرتي ما بين الاثنتين.


مقامرون

عندما كنا صغار

قبل أن يبصقنا رحم النهار

كانت الدنيا لنا

كرة بين الغبار

نقذف النصر بها والانكسار

لم تكن ترهبنا الريح

ولا يصفع عينينا جدار

كانت الثورة طفلا

صاخبا يلعب فينا

يتحدى مسرح الرعب،

وأشياء الكبار

يملأ الدنيا صحارى وبحار

 

وأتينا .. نرجم العالمَ

ضحكا وحجار

فخسرنا ..

لم نكن نحسن اصناف القمار


سقوط في الضوء

 

- 1 -

قيامة أخرى

مدينة أخرى

تنهار في قلبي

معْ اي ريح عدت يا رعبي

تُوقظُ في مأساتي الكبرى؟

عاد الرداء الاسود القديم

ينفض عن اكمامه الغبار

يلبس خطواتي واشواقي

عادت جيوش الزنج والتتار

ترجم، بالنيران، احداقي

تهدم، في صدري واوراقي،

منازل العنكبوت

تطردني من جنتي -

في ظلمة التابوت.

أنا شهيد اليقظة الطاغيه

بعثت من جديد

ولدت في كارثة ثانيه.

 

- 2 -

كنتُ، في صحوة حسي،

نائما بين الطبول

ملقيا مرساة نفسي

تحت اقدام الخيول

ألمح العالم، في رغوة كأسي،

عائماً بين دخان الانبياء

راقصا فوق قبور الشعراء

راكعا عند تماثيل الوحول.

 

لم يكن لي سيد غير الجنون

أحتمي، في ليله الصاخب ِ،

من وجه النهار

لا أبالي ما يقول الاخرون

فأنا أنفق عمري

قبل أن يمضي القطار.

 

- 3 -

خرجتُ من أصداف احزاني

مشوها، منهزما، كالغراب

أنعب، في أرجاء ميداني.

 

أنا إله الموت والخراب

أبحث عن قبري وأكفاني

بين نيوب الغول والذئاب

أنبش عن هويتي

تحت حطام الذاكره

أرغمت أن أعيد رحلتي

حول محيط الدائره.


مغامرة

عيناك زوبعتان تنهمران في قبري

نهدان يرضع منهما شعري

عيناك ساريتان تندفعان في بحري

والنوء صعب الموج كالصخر

لا تبحري .. عودي الى البر

فالمدُّ لا يغوي ولا يغري

اليوم يحملنا ويجمعنا

وغدا تفرقنا يد الجزر.


الاعمى

1958

جثة الشمس على جفني

وأقدام العبيد

ويد تفصل عن عظمي لحمي

آه، هل أولد في لحم جديد؟

 

قدمي تنبض أشباحا

وأشعارا ذبيحه

قدمي كهف خرافي الحجاره

أجهضت فيه نعامات الحضاره.

 

آه، اني أبصر الموت

على أحداق شعبي

كالتماسيح الجريحه

آه .. في صدري غابات

من الاصنام تجري

ألف تاريخ حزين خلف صدري

آه ما أثقل صدري!

 

من يراني، ها هنا،

حقلا من الصمت،

وأشلاء حروف خشبيه

من يراني ها هنا في مرفئي المهجور

مرساة حزينه

وبقايا قارب حطمه الاعصار

في بحر المدينه،

.. ان في قلبي أنقاض مدينه

ومجاذيف من الاسرى،

ودرباً بربريّه

أوحلت فيها دموع البشريه.

 

إنني أسمع، عبر الموت،

أصداء بعيده

وأرى ليلا من الاسماء والكتب الجديده

وأرى ظل جريمه

رابضاً فوق سريري

فوق خطواتي القديمه.

 

منذ آلاف العصور الوثنيه

وأنا أزحف، كالرعب،

على صدر الخطيه

وألوك الرمل والصبر

وأحلامي الغبيه.

 

بلَيتْ أكتافي البلهاءُ

من حمل الصليبِ

صدئتْ أجفاني السكرى

من الليل الرهيبِ

وأنا لم أزل، في التيه، أجتر طريقي :

قدم يأكلها الثلج،

وأخرى في الحريقِ.

 

جبهتي مقبرة مجنونة

تلفظ أجساد البغايا

جبهتي قافلة مذعورة تبكي

ووديان سحيقه

ضيع الله بها، عفواً، طريقه.

 

ها ثيابي سقطت عني

كأوراق الخريفِ

فعلى كل يدٍ منها بقايا

وعلى كل رصيفِ.

عاريا تلسعني الريح وصيحات الخطايا

وعلى عينيَّ تستوطن أمواج الجرادِ

في تجاويفِ السهادِ.

 

حافيا جئت من الشرق

مليئا بالرعود

أحمل الله، وشيئا وثني الطعم،

سري الوجود

في اهابي الف نسر يتمزق

ألف إنجيل حقود الحرف أزرق

جئت كي أعتق او أنعتقا

جئت كي أحترقا

جئت كي أزرع في الريح رمادي

عله يحمل تاريخي الى كل بلادي


حرباء

غيرت وجهي ألف مرّه

وبَدلتُ جلدي الف مرّه

ولبست ثوب الافعوان

كي اثقب التاريخ مرّه

وأبيت في رحم الزمان

أنا مارد الأوهام، سلطان المجره

درعي هتافات، وسيفي من دخان.

يا ليتْ

يا ليت يا بصري الجبان

أخبرتني،

عما رأيت :

جدران مملكتي

تنهار تحت عباءتي

بيتا فبيت

وأنا أغيب على حرير وسادتي

ألهو بأحلامي

يا ليتني

أدركت ان هزيمتي

تمشي بأقدامي

وعرفت اني عبد أوهامي.


العتبة

1958

الفراغْ

صنم يزأر في صدري

ودنيا تتهدم

وأنا، بين الحروف السود،

أعمى القلب، أبكم

جبل من جثث الاطفال ينهار على وجهي ..

أيا وجهي تكلم

يبس الحرف بأعماقي ومات

عاجز أن يحضن الموتُ الحياة :

عند العتبه

ذئب ثلجي الانيابِ

يتمدد كالبحر الطامي

ويحطم أقفال البابِ.

عند العتبه

قلبي يركع، يبكي

يسأل عنك

يا بنت النار الوحشيه -

يا كلماتي اللامرئيه.

عند العتبه

عشر سنين مجنونه

وشراع مكسور الصاري

لا ضوء يداعب أشعاري

غير الاشباح الملعونه.

 

من ينابيع الظلام المستطيله

كنت أنساح على الاسوار والصفحات

كالحمى، كاعصار جريح

كان لي جيش من الاسماء - أسمائي الجميله

خَلعتْ، في دربها المسلول،

أكفان المسيح

ثم ضاعت في زقاقات المدينه.

مالح طعم الاعاصير الحزينه

مالح صوت العصافير على شباك بيتي

حطمي الشباك، يا آلهة الشعر، وهاتي

زندك العاري الجميل

أيقظيني، ايقظي الاشعار في صدري الهزيل

حطمي المرساة في قلبي، وهاتي

زندك العاري الجميل

أيقظيني، ايقظي الاشعار في صدري الهزيل

حطمي المرساة في قلبي، فقلبي

راهب يلهث في جدران صمتي :

سألوني عن صمتي الاكبر

عن رب مغرور أسمر

يتمزق في قلبي الدامي

ويقوض أجمل ايامي.

 

سألوني، والحرف الاسود

مشلول يرقص في معبد،

عن جرح يكتب في وجهي

ألغاز المطلق والكنهِ.

 

منذ بدء الارض ما زال السؤال المستحيل

يقرع الابواب جيلا بعد جيل

والعبيد الخائفون الجائعون

يأكلون الصمت، في الليل الطويل.

 

كم شتاء سوف نبقى راكعين

تحت ثلج اللغز والعتم الثقيل

نتلهى بفتات الانبياء

نتدفّا ببخور الاتقياء

بالذي تلقيه للارض السماء.

كم شتاء، كم خريف، كم ربيع

سوف نبقى،

أغبياء القلب، حمقى

كالقطيع،

نعلك الجمر، ونجتر الصقيع.


وجوه

 - 1 -

الوجه الاول يحملني،

والوجه الثاني يرميني،

الوجه الثالث يشربني،

والوجه الرابع يسقيني،

الوجه الخامس يفقرني،

والوجه السادس يغنيني،

الوجه السابع يسعدني،

والوجه الثامن يشقيني،

الوجه التاسع يهدمني،

والوجه العاشر يبنيني،

الفجر سراب ألحقه،

والليل شراع يغويني.

الفرحة كنز أسرقه،

والحزن صليب يغريني.

 

وعزائي أني منقسم

أتسلق نصلة سكيني.

 

- 2 -

هذا العنف اللابس وجه الله،

هذا الموت اللامتناهي

ريح تزرع رعب اليقظةِ

فوق شفاهي.

 

- 3 -

مشّوه كزرقة السماء في الخريف

ونائم على وسادة من الضجر

أحلم ان يسقط في ضميري المطر

لكن وجهي المشطور كالرغيف

منحدر على مرافىء الجبين

كفارس منهزم طعين.

 

- 4 -

هكذا تغدو لي الاشياء،

صحراء من الحلم،

وأقذارا جميله

ومرايا، عند أقدامي النحيله،

تتحطم

يلبس العالم فيها

وجهه الحلو المهشم.

 

- 5 -

متآلفون تآلف الاهداب

متخاصمون خصومة الانيابِ

من بعضنا نمضي

في بعضنا نمضي

ولقاؤنا وجهان

يتقاذفان مفاصل الارض

وملامح الانسان.

 

- 6 -

إجعلي كفك يرتاح على وجهي،

على جرحي الصغير

واجعلي مني نبياً أو أمير.

 

واذا ما نام جرحي

لحظة فوق السرير

صار لي كفك خصما

أجرب الجلد حقير

صار لي مبصقة أقذف،

في أحشائها البيضاء،

وجداني الضرير

صار لي منفضة أطفىء فيها

نار سيجاري الكبير.

 

- 7 -

أسأل عن وجه يشابهني

أبحث عن مرآة

تلخص التاريخ لي،

تختصر الحياة.

 

- 8 -

يشبهني هذا الصديق

يشبه وجهي الضاحك العتيق

يشبه مرآتي

تلك التي ترفض أن تنقل مأساتي.

 

- 9 -

عندما يرقد جنبي

ذلك الوجه الخريفي المطير

أتحدى كل احزاني، وأطوي

قلقي تحت الحصير.

 

- 10 -

عندما يغضب قلبي

وأرى وجهي مصلوباً

على جدران رعبي

أتمنى شفتيك المرّتين

تحملاني ميتا او بين بين

تصلباني مرتين.

 

- 11 -

أجلس في ظلال الصمت والسهرِ

وحول وجهيَ المشوه الجميل

تنهض خيمة من الابر

تركعُ شجرتا نخيل

وفوق أوراقي يغوص النهار

في نبع هذا القلم الثرثار.


 

على شواطئ الجرح

 

1 - تحت غيوم الكلام

أجهد ان أطرد عن عينيَّ

غيم الكلام

وأرتمي في قارب مبحر لا ينام

يقلني حتى شطوط الخطر -

حتى شطوط الجرح في "وهران"،

حيث اله الحب والسلام

مزق انجيله وانتحر.

لكن أحلامي هنا عفنت

تحت صليل الضجة الكاذبه

فنحن، يا وهران، لسنا سوى

مرثية ممجوجة خائبه.

 

خيولنا، سيوفنا من غبار

ترتجل التاريخ والانتصار

ليلا ... وتفنى مع طلوع النهار

كسكرة مجنونة صاخبه.


2 - سراب الرؤيا

أودُّ، يا وهران، أن احتمي

في وهج عينيك

أن أرضع النيران والاخطار

من نبع نهديك

فانني عطشان يا وهران

عطشان للرؤيا

تنداح تنداح كالتنّين، كالاعصار

من رف هدبيك

فأنتشي بالقبرِ أو أحيا

ينمو على جرحي صدى صرخةٍ

وحشية الصوت

تسوقها أظافر السفاح

بالرعب والموت

فينطفي، من هولها، المصباح

ويختفي بيتي

سريري الان بلا جدار

بلا ستار

يحضن عريَ الارض والقدر

يعانق الثورة والثوار

كأن سدَّ الصبر بيننا انكسر

كأن خزّان الدجى والصديد

مر به الجنون فانفجر

وانساح منه الحقد والعذاب

يعبر كل باب

ليوقظ الجليد، والعظام، والتراب.

 

السيل يجتاح الذرى والحدود

يدفع أشواقنا الثائره،

أشواقنا المجنونة الكافره

حيث الوجوه السمر والنهود

فوكه معسولة للجنود

حيث النساء الحلوة الطاهره

وأعين الشيوخ والاولاد

بيارة خضراء للجراد.

 

يا سيل، لز الارض واختصر

مسافة الارضِ

بكل ما أوتيت من بغض،

وحطنا في زحمة الخطر،

في لجة الجراح

فاليوم يوم البعث والكفاح

 

لنسرج الصبر الذي صدنا

زنركب الخوف الذي هّدنا،

الى جحيم الفتك والانتقام

لا كان هذا السلام

لا كان هذا السلام

سلامنا الا يكون السلام

مقابراً لشعبنا

سلامنا أن يرحل التتر

عن أرضنا

أن يولد القدر

من سيفنا.


3 - صحراء اليقظة

... وأفرك عينيَّ، أدفع عني اللحاف،

ويهرب حلمي الكبير الجميلُ

أمام شعاع الصباح

كذئب يطارد بعض الخراف.

 

وأبحث، في جبهتي، عن صدى أو جراح

وعن ذلك الوحشِ، كنتُ أقبض، تواً، عليهِ

وأسحق في راحتي مقلتيه

(ففي مقلتيه

قبور تضم، بشوقِ عنيدٍ،

رفات بنينا وبعض بنيه)

.. فأضحك أضحك، دهرا، وأبكي

وأسأل، وهران، خلف شقائي، عنك

وأغرق أغرق بين دموعي وضحكي.


4 - المجد للدعاء

أحمل عبء الصمت في مسجدي

وجمرة مطلية بالدعاء

شاخت على جرحي ولم تبردِ

لكنها حَّرت سيول الدماء

وخلفت، في فوهة الموقدِ،

عجائزاً يبكين عهد الصبا

بين شواء اللحم والكستناء.

أيا فلسطين اسمعي واركعي

لعل في الدعاء

خبزاً وماء

لعل، في غياهب السماء،

سحابة تمطر في ليلنا

مجداً، وفجراً دائماً، وانتصار

وأنت، يا وهران، ظلي معي

ظلي مع النيران والاخطار

فشعبنا ما زال يهوى السلام

ما زال يهوى السحر والانتظار

ظلي .. فمنك الجرح والالام

ونحن، منا، عسكر من كلام.


5 - في رحم الغد

يا لغة الثورة لا تتعبي

لا تلبسي عباءة الرهبان

بل أوقدي البركان في موكبي

وفجري الطوفان

ففي حنايا ثورتي ضحكة

تكسر صخرَ القبر والاوثان.


خطوات في المنفى

خطواتكِ تنبض في المنفى

بيضاء الوقع حريريّه

خطواتك تنبض في قلبي،

في شوقي المجنون الصعب

جزراً ومرافئ صينّيه

من قاع جراحي السوداء

من قبري المهجور النائي

أتحسس دفء ذراعيك

أتسلق أرزة نهديك

وأعانق مقصلتي الاولى

فالموت، هنا، جسد امرأةِ

يتصبَّب رعداً وخيولا

يغري أحزاني المنفيّه

بجحيم جنسي شرهِ

بمجازر حب وحشيه.

 

يا ثلجي الراحل، يا لهبي

يا أضوأ حرف في كتبي

ما زال سريرك يرضعني

شعراً ويروض من غضبي

ما زلت شراعاً مختبئاً

يتفتح في صدري التعبِ.


الرعد يهجر احزاني

منذ ساعات قليله

كنتِ، في وجهي، رعداً وزلازل

كنتِ، في أحزاني الخضر النحيله،

في مصيري اللولبي،

كوكبا تحمله عشر أنامل

والها زئقبي.

 

أين أظفارك تنهال علي

تنهب الصخر الذي غلفني

تجرح المستنقع الراكد فيّ ؟

 

أنتِ، يا كارثتي الشقراء،

يا جرحي الملثم

بضمادات الغيابِ

إهبطي فوق كتابي

أسقطي فوق حروفي البارده

أسقطي في وثني

ادخليني، أدخلي في زمني -

في رفاتي الخالده.

 

أرضعيني الخوف من أثداء رعدك

أرضعيني قدري

حرريني من فمي، من مقعدي، من ضجري

فأنا أحيا، بلا جرح .. بلا رعبٍ،

على أسوار نهدك.

كل أشيائي التي لامستِها

كل أطرافي التي أشعلتِها

منذ ساعات قليله،

عادتِ الان الى صورتها -

عادتِ الان الى محنتها

لبست وجه حياتي المستحيله.

 

عندما كانت أعاصيرك تصطاد حضوري

عندما كانت يداك

تمطراني بالصواري والجسور

توقظان الصنم الراقد فيَّ -

تنقذاني من شراكي

كانت الاشياء تمتد إليّ

وتلبي دهشتي

كانت الساعات لا ترفضني

أو تعادي يقظتي

كان صمتي يتهاوى في يديّ

وخطى التاريخ تمضي حرة في أُذنيّ.

 

أيها الحب الذي يصلبني

فوق أعتاب الجنون

أيها الرعد المسيحي الحَرون

يا صديقي في الخطيئه

قدري أن أعشق الرعب الذي تمنحني

قدري الا أكون

غير نبع للمآسي او دريئه


من ياقة الشتاء

سقطتُ، يا صديقتي،

من ياقة الشتاء

من ياقة الامطار والرعود

سقطت في خديعة الاشياء

سقطت مرة،

هاجرت مرة .. ولن أعود.


الرائد

الى فؤاد الشمالي

جاء ميتاً عائماً فوق قصيده

سابقاً جثته المنتصره

جاهلا مأتمه التالي وعيده

غير أني قد أرى وجهي فيهِ

قد أرى ضحكته المستهتره

قد أرى الكون الذي يعشقه أو يزدريه

نُعيةً سوداء في صدر جريده.


نسر الشوق

غادِرْ، غادر أنقاضي

يا نسر الشوق

غادر من جرحي، واتركني

أهوي من فوق

وأعود الى قبر الماضي.


يا موتي الصديق

إقتربي تحت غيوم النار

من شرفتي،

من قصري المنهار

إقتربي تحت لواء العار

يا يقظتي،

يا موتي الصديق

أعلم أنني دخلت محنتي -

عثرت في بداية الطريق.


تميمة

حملتِهِ تميمة خضراء

يبرق في مواكب الهزيمه،

تلمع في أواخر الصحراء

لكن في براءة التميمه

شريعة مطوية بكماء.


الشبق

أسكن في زجاجة من الارقْ،

منطويا كصفحة الورق،

أرقب من جدرانها الصفراء

مدينتي الكسيحة الشمطاء

تلبس سروالا من الشبق.


هويت عن طاولة القمار

أعلم أنني مقامر عتيق

يحب ان يلعب بالاخطار

يبحث، في النهار، عن مضيق

لكنني هويت عن طاولة القمار

أمس، وبعت حصتي

في الربح والخساره

هويت عند مدخل العباره.