د. أحمد مرعي | هل فعل الاستشهاد يوازي فعل التأسيس عند سعاده؟

الثامن من تموز

النائب د. أحمد مرعي

عضو الكتلة القومية الاجتماعية النيابية

 

يُحيي الحزب السوري القومي الاجتماعي الذكرى التاسعة والستين لاستشهاد مؤسسه أنطون سعاده. ويحيي السوريون القوميون الاجتماعيون كل عام هذه الذكرى، ليس لمجرد احياء الذكرى، وإنما لما يمثله هذا الحدث من تحول في تاريخ الأحزاب ومؤسسيها، وهو حدث لا بد من الوقوف عنده ودرس ما قام به سعاده في ليلة الثامن من تموز، والعبرة بقيمة وبأهمية هذ العمل “الخطير” الذي قام به سعاده.

ثمة أسئلة كثيرة- في هذا الشأن- يجب أن تطرح لتفتح باب النقاش والبحث، هل فعل التأسيس يوازي فعل الاستشهاد عند سعاده؟ وهل كان يمكن لسعاده أن يتجنب الموت من أجل الاستمرار في تأسيس وتقوية الحزب؟ أم أن سعاده ثبت تأسيسه باستشهاده؟

عندما شبّ أنطون سعاده كان قد بدأ يدرك أنه يعيش بعالم غير عادل، عالم ينتشر فيه الظلم والقهر، والفساد المناقبي والروحي، فهو الذي وعى الحرب العالمية الأولى، وهو الذي رأى بلاده تقسّم أمام عينيه (وفقاً لإتفاقية سايكس- بيكو)، وهو الذي عايش حقبة صدور قرار يقضي باقتطاع جزء من بلاده لشعب ليس له حق فيها، فكان يحول كل ما يدور من حوله من أحداث للتحليل والتفكير، ويضعه ضمن دائرة أسئلته الدائمة عن أسباب الحرب، وعن وجود الأستعمار في بلاده، إلى أن طرح على نفسه السؤال الأهم: “مالذي جلب على أمتي هذا الويل؟”.

بعد البحث والتدقيق أستطاع سعاده أن يخرج بجواب على السؤال الذي طرحه، فقال: “إن ما جلب على أمتي هذا الويل هو التخلف والجهل وفقدان السيادة القومية على بلادي”. أكتشف سعاده السر في ضعف بلاده وجهلها، فأسس الحزب السوري القومي الإجتماعي، فماذا يعني تأسيس الحزب القومي؟، هل هو حزب عادي أهتم لمجموعة أمور وراح يناضل من أجلها أم أنه حركة عابرة أهتمت بمسألة معينة وأنتهت بعد تحقيق ما أرادت؟

لقد أراد سعاده بتأسيسه الحزب القومي أن يضع مفهوماً آخر لمعنى الأحزاب وعملها في بلادنا، في تلك المرحلة والمرحلة التي سبقتها والمرحلة الحالية بكل ما فيها من أحزاب، فكان الحزب القومي.

فسعاده عندما أسس الحزب لم يؤسس حزباً عشوائياً، وإنما صاغ نظرة جديدة للحياة، وفلسفة جديدة، ونهضة مجتمع، بكل مالكلمة نهضة من معنى، وفي ذلك قال سعاده: “إن الحركة القومية الإجتماعية هي حركة ثقافية بإمتياز”، فهي نهضة تعالج كل قضايا المجتمع، ولها نظرة خاصة للفن والكون والجمال، وللسياسة والحرب والإقتصاد. ونظرة جديدة حتى للموت، وإلا ما معنى قوله: “كلنا نموت ولكن قليلن منا من يظفرون بشرف الموت من أجل عقيدة”. و اعتقد هنا أن فعل الأستشهاد عند سعاده، واستقبال الموت، بل والذهاب إليه، لا ينفصل عن مفهموم التأسيس الفكري والعقائدي والفلسفي، استشهاد فعل فعله في نفوس الكثيرين، وفي قيمهم وفي أفكارهم، فسعاده حتى في موته كان يستهدف بالفعل وبالقدوة الانتقال العملي من حال الخضوع والخنوع والعبودية إلى حال العز والكرامة. وتأكد ذلك بقوله: “نحن جماعة لا تتخلى عن عقيدتها ومبادئها واخلاقها لتنقذ جسداً بالياً لا قيمة له”؟ فكان سعاده هنا في استشهاده يؤسس لمفهوم جديد للموت، مفهوم فكري ومناقبي وقيمي.

أسس سعاده أعظم حركة في تاريخ المنطقة، فتقدم الجميع في حياته معلماً. وفي موته كان قائداً وشهيداً، ليكون للمؤمنين به قدوةً في الإلتزام العقائدي والمناقبي.

نعم لقد أستشهد المؤسس، ولكن تأسيسه باق فينا ويتمظهر في عملنا اليومي، وجاء اسشهاده ليكمل البناء، وكان استشهاد سعاده دعامة أساسية لمواصلة النضال، وليشكل حافزاً لمتابعة المعركة من بعده، وهذا ما أكد عليه في اللحظات الأخيرة من استشهاده حين قال: ” أنا أموت أما حزبي فباقٍ، هذه الليلة ستعدمونني أما أبناء عقيدتي فسينتصرون وسيجيء انتصارهم انتقاماً لموتي”. وفي هذا القول ثقة كبيرة لدى سعاده أنه أسس حزباً شكل نقلة نوعية في تاريخ الأحزاب السياسية، وهذا هو التأسيس الدائم. ولذلك قال: “إن موتي شرطاً لانتصار عقيدتي”.