العميد حافظ يعقوب | سعاده.. فرادة الفكر والنهج آفاق للمستقبل

الثامن من تموز

المهندس حافظ يعقوب

عميد في الحزب السوري القومي الاجتماعي

عندما تتطلب منك المناسبة التحدث عن شخص فريد فإن أفكارك تتبعثر وقلمك يحتارمن أين تبدأ وإلى أي اتجاه تريد أن ينتهي النص الذي مهما زينته فإنه سوف يبدوفقيراً بمقاربة مفكر، فيلسوف،عالم، سياسي وزعيم ومعلم كأنطون سعاده.

لا شك أن كثيراً من الأمم والشعوب التي عانت من الضعف والتقهقر والانقسام لم تخرج من واقعها المريض إلى واقع أكثر صحة وقوة إلا بفضل بعض أفرادها الذين تنكبوا عناء ابتداع الخطط الفكرية والوسائل العملية لقيادة مجتمعاتهم من واقعها الراهن إلى حالة من النهضة الحركية المؤمّنة لعوامل الوحدة والقوة والارتقاء.

وفي هذا السياق التاريخي لم تختلف حالة الأمة السورية عن باقي الأمم المنكوبة،فهي أمة رازحة تحت عهود من الاحتلالات وفقدان السيادة القومية وغياب الوعي القومي لدى معظم أجيالها وتعاني من الانقسام السياسي والمجتمعي. ولعل أبرز تجليات هذه الحالة هو واقع الأمة السورية في بدايات القرن الماضي: انتهاء الاحتلال العثماني الذي امتد لأربعمئة عام، اتفاقية سايكس – بيكو وتقسيم الوطن السوري بين بريطانيا وفرنسا، ووعد بلفور المشؤوم وبداية الاستيطان اليهودي في فلسطين المستهدف لكامل وطننا السوري في الهلال الخصيب. كل ذلك ترافق مع انقسام المجتمع دينياً وطائفياً وعشائرياً وضاعت الهوية القومية السورية بين نزعة عروبية وهمية ونزعة فينيقية، وما بينهما نزعات فردية قادت جماعات كبيرة من السوريين لمصالح خارجة عن إرادتهم زادت من جراحات المجتمع السوري وويلاته.

في هذه المرحلة التي كانت الأمة السورية تقف فيها بين الموت والحياة، بين التلاشي والوجود، أتى أنطون سعاده ليضع الخطة العملية لإنقاذ الأمة السورية من حالتها المريضة ويخرجها من التخبط والفوضى بين مختلف العقائد المبلبلة إلى عقيدة جلية واضحة تعبر عن حقيقتها وجوهر نفسيتها هي عقيدة الحزب السوري القومي الاجتماعي .

وإذا كانت التحديات التي واجهت أنطون سعاده والحزب السوري القومي الاجتماعي لم تمكنهما من إنجاز الانتصار وتحقيق الغاية خلال العقود التسعة التي مرت على تأسيس الحزب، فإن ذلك لا يلغي حقيقة راهنية فكر سعاده وحزبه. وإن تبصراً جدياً في حالة السوريين الراهنة تدلنا على أن فكر سعاده ونهجه ما يزالان حاجة ملحة للخروج مما عليه السوريون. وتبرز أهمية العقيدة السورية القومية الاجتماعية من خلال:

1- بناء فكرة الأمة على أساس علمي صحيح في مواجهة هذا الضياع والتشتت وتعدد الانتماءات الذي يعيشه السوريون و(والشعوب العربية الأخرى ايضاً).

2- تأسيس فكرة الاستقلال المادي والروحي وبناء القوة في مواجهة التبعية وفقدان الثقة بالنفس.

3- الفكر الإصلاحي ومدنية المجتمع والدولة في مواجهة الانقسام الطائفي الذي تحول إلى صراع دموي تفتيتي إلغائي تستغله القوى المعادية للسيطرة على مقدراتنا ووثرواتنا.

4- العقلية الأخلاقية الجديدة التي تربط بين الفكر والنهج، بين النظرية والفعل، بين المبادئ والسلوك. العقلية الأخلاقية الجديدة التي تضع مصلحة الأمة فوق كل مصلحة وتسخر المبادئ للشعب، في مواجهة العقلية الأخلاقية الرجعية التي تسخِّر الشعب ومقدراته في سبيل المصالح الفردية الأنانية والفئوية.

5- تاسيس مفهوم السياسة على أنها فن بلوغ الأغراض القومية في مواجهة مفهوم السياسة على أنها فن الممكن وتحقيق المصالح الفئوية.

6- في تأسيس فكرة الزعامة التي هي ممارسة السلطة في سبيل ارتقاء الشعب وتحقيق مصالحه في مواجهة الزعامات التي تقبع على جسد الشعب وتمنعه من الارتقاء.

تكمن فرادة أنطون سعاده أنه من زعماء قلائل ربطوا بين أفكارهم وأفعالهم وذهبوا إلى أقصى ما يمكن أن يدفعه مفكر أو سياسي ثمناً لمبادئه. فأنطون سعاده الذي قال “مصلحة سورية فوق كل مصلحة” و”أن كل ما فينا هومن الأمة وللأمة حتى الدماء التي تجري في عروقنا عينها ليست ملكاً لنا بل هي وديعة الأمة فينا متى طلبتها وجدتها”، لم يكتف بجعل هذه الكلمات عبارات رنانة ترقص لها القلوب والعواطف بل حولها إلى قيم حقيقية من خلال وهب حياته كلها لمصلحة سورية ومن خلال استشهاده في سبيل القضية التي آمن بها وعمل لها.

إن إحياء ذكرى اغتيال أنطون سعاده في الثامن من تموز، وفي ظل ما تعانيه الأمة السورية من ويلات وحروب مصيرية، إنما يجب أن تكون محطة للتبصر فيما دعا إليه، في الفكر الذي وضع أسسه ومبادئه وفي النهج الذي أرساه.

إن حاجتنا اليوم لأنطون سعاده تجعلنا نردد مع الكاهن الذي عرَّفه يوم استهاده: “في تلك اللحظة وددت لوخبّأته بجبّتي، لوتمكّنت من إخفائه في قلبي أوبين وريقات إنجيلي”.