الأمين الياس عشي | الأفق الجمالي في جرح تموز   

الثامن من تموز

الأمين الياس عشي – كاتب وباحث من طرابلس الشام

 

الهامش الأول 

 

الكلمة الأولى حدث مفاجئ قد تأتي بعد ألف عام، وقد لا تأتي أبداً؛ ولكنها إذا أتت تكون حدثاً إبداعياً، لا فرق إن جاءتك في مقال، أو في كتاب، أو في قصيدة، أو في المواقف النبيلة حيث يصبح الموت شرطاً لانتصار ما تؤمن به، وما تسعى إليه، وما تراه صواباً في كيفية الخروج من الغريزة إلى العقل  الذي هو، كما يقول سعادة “الشرع الأول عند الانسان “.

حول هذا الهامش، ودون أن يتواعدوا، جاؤوا من أمكنة مختلفة، وكانوا ثلاثة: سقراط، وعبدالله بن المقفع، وأنطون سعاده، وجلسوا حول طاولة مستديرة لمناقشة أمر اغتيالهم.

 

 

الهامش الثاني

 

رأى سقراط أن الحكم عليه بالإعدام، في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، جاء بعد تهمتين: الكفر، وإفساد الشبيبة. وهما تهمتان يتشاوف بهما سقراط لأن تعدّد الآلهة بدعة، ولأن الشبيبة تحلم بالخروج من مأزق السفسطائية. ويضيف: أنا أول من أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، كما قال عني شيشرون.

 

 

الهامش الثالث

 

ورأى عبدالله ابن المقفع أن الأمر بتصفيته، في منتصف القرن الثامن الميلادي، أصدره أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني، بعد آن اتهمتُ بالزندقة.

والصحيح، يقول ابن المقفع، ان السبب الرئيسَ يعود إلى ترجمتي لكتاب ” كليلة ودمنة ” من الفهلوية إلى العربية، وإضفاء الطابَعِ الإسلامي على نصوصه، وإلى الحِرَفية في صيغة كتاب العهد الذي قمت بنصّه ليوقّعه الخليفة المنصور أماناً لعبدالله بن علي عمّ الخليفة.

وختم ابن المقفع كلامه بالقول: لقد اختاروا السمً لتنفيذ حكم الإعدام لهذا العظيم سقراط، أما أنا فقد قطعوا أطرافي، ورموها في بئر، ثمّ ردموا البئر وأنا فيها حيّ!

 

 

الهامش الرابع 

 

ورأى آنطون سعاده أن الأمر باغتياله، في منتصف القرن العشرين الميلادي، صدر من جهات إقليمية ودولية، ونفذته الحكومة اللبنانية بدم بارد، بعد أن اتّهمتُ بالتآمر على استقلال لبنان، وتدمير الهوية اللبنانية.

والصحيح، يقول أنطون سعاده، أن السبب يعود إلى محاربتي الشرسة لاتفاقية سايكس _ پيكو، ورفضي المطلق لقيام دولة يهودية على جزء من أراضي الأمة السورية كما وعد بلفور، وموقفي المطالب بمنع مرور أنابيب النفط لشركة تابلاين الأميركية ضمن الأراضي السورية، وسعيي لتأسيس مجتمع قومي مدني يفصل فيه الدين عن الدولة.

وإذا كان سقراط، يضيف سعاده، قد حوكم، ومنح فرصة الدفاع عن النفس، فإن الحكم باغتيالي صدر بعد محاكمة صورية، وتمّ تنفيذه بسرعة قياسية شبيهة بالمحاكم الميدانية، ومحاكم التفتيش.

 

 

الهامش الخامس 

 

ثلاثة من شهداء المعرفة هم سقراط وابن المقفع وسعاده، عبر تاريخ كله كربلاء كما يقول نزار قباني. والملاحظ أن المسافة الزمنية بين سقراط وابن القفع هي ألف عام ونيّف، وبين ابن المقفع وسعاده كذلك ألف عام ونيّف. وهي ملاحظة يُستحق الوقوف عندها لآنها تؤكّد أن الصراع بين الحريّة والعبودية هو صراع أبدي لن يتوقف، وان الذين يموتون من أجل قضية نبيلة هم وحدهم الأحياء.

 

 

الهامش السادس  

 

عندما نتكلم عن الرثاء في أدبيات العرب نراه في عناوينَ أربعة: رثاء التفجع، ورثاء التأبين، ورثاء العزاء. وآخرها الرثاء الإنساني. ونحن القوميين لم نلتفت إلى أيّ منها، بل كانت لنا إبداعات أخرى صارت، فيما بعد، محطات نتوقف فيها كلما بزغ تموز بجرحه النازف المفتوح في الخاصرة. جرحٍ يحضنك بأوجاعه، ويرميك في قعر بكائيات غاضبة وعاصية..  جرح يحمل إليك كل صباح زوّادة خاوية من رغيف الخبز الساخن، وحبّة البركة، ورائحة القهوة، وشهقة عصفور يقاسمك خيوط الفجر.

وأي فجر ينتظرنا على قارعة ” ذلك الليل الطويل ” و ” هتاف الجراح ” اللذين قرأناهما حتى الثمالة، وتهجينا حروفهما، مرافقين محمد يوسف حمود في عرسه الجنائزي؟

 

بل أي فجر سيحمل الفرح وكمال خير بك ما زال على رصيف بيروت مهدور الدم، وما زال يردد:

 

اليومَ أرجِعُ والأجراسُ ساهرةٌ

بين المقابر، والأنقاض، والخُرَبِ

أعودُ نحوكمُ من بعدِ ما عبرَتْ

قوافلُ الحزنِ، والآلام، والغضبِ

 

وبين فجر وآخر يطلّ سعيد تقي الدين  بهامته وسطوع جبينه، وإلى يمينه كاهن عرّف سعاده في زنزانته، ومشى معه إلى عمود الموت لينقل، فيما بعد، محاضرته الحادية عشرة التي تروي قصة رجل رفض أن يحني قامته، ورفض أن يقول نعم، فانتهى شهيداً فوق رمال بيروت.

 

 

الهامش السابع 

 

المكان : مدينة اللاذقية.. والزمان: التاسع من تموز من عام ألف وتسعمئة وتسعة وأربعين. وأنا في العاشرة من عمري.

أحاول أن أركّب المشهد لتلك المدينة المسحورة باللون الأزرق الذي يتماهى ويتمدّد، إلى أن تحضنه طرابلس وبيروت وقرطاجةُ، مرحبين بالنوارس المرافقة له.

أحاول أن أتلمس، بعد كل هذا العمر الطويل، عشق المدينة التي علمتني كيف أحب، وكيف أرسم بالكلمات شكل أترابي، وشكل الأزقة، وشكل الأشجار وشقائق النعمان، وشكل الحزن.

أنا في العاشرة من عمري.. أبحث عن تفسير لما حدث في صباح الثامن من تموز، أحاول أن أفهم الهمسات الهاربة من بيت إلى بيت، ومن حارة إلى حارة. أحاول أن أفهم كيف صارت الهمسات صراخاً، وقبضاتٍ مشدودةً، وتقلصاً في الوجه، ووجعاً في العينين.

أحاول.. لكن الألفاظ والعبارات كانت أكبر بكثير من صبيّ لم يتجاوز العاشرة، ولكنها دخلت ذاكرتي، وتماهت مع اللون الأزرق، وفقش الموج، والنوارس، وكل الرموز الجميلة التي أكلت من رؤوس أصابعي، وما زالت!

إنها ألفاظ من نوع آخر:

_ اغتالوا أنطون سعاده.

_ حكموا على الزعيم ولم يحاكموه.

_ اعتقلوا أنطون سعاده، وقاموا بتصفيته بعد ساعات.

_ تخلصوا من الزعيم.

_ مات سعاده، وأمّا حزبه فباقٍ.

 

 

الهامش الثامن 

 

في هذا اليوم الصيفي الحزين، داهمتني زرقة البحر، واغتصبت طفولتي!

من هو هذا الرجل الذي يُقتل بدون محاكمة؟

لمَ قتلوه؟

ماذا فعل؟

ولم ألقَ جواباً.

في هذا اليوم التموزي من عام ألف وتسعمئة وتسعة وأربعين، كبرت عشر سنين، وتعرفت على الحزب السوري القومي الاجتماعي، دون أن أعرف منه إلا اسم المؤسسة، واسم المؤسس الذي اغتيل على رمال بيروت.

يومها بدأت ولادتي الجديدة، ويومها بدأت أرسم حدود الشواطئ المنسحبة من اللاذقية إلى بيروت، فأكتشف عري الاثنين، والمأزق الذي تعيشه ذاكرة البحر.

 

 

الهامش التاسع 

 

في صباح التاسع من تموز، ولأول مرة، أشرقت شمس اللاذقية بخفر، وألقت على الهضاب المتوجة بالأخضر برقعا أسود. ويومها لم تخرج النوارس لتقوم برحلتها الصباحية، ولم تبترد الأشجار بمياه البحر. كل شيء بدا حزيناً.. حزيناً… حزيناً حتى الموت.

ووحدي أكتشف أن في زاوية مني يولد ضوء، وتولد كلمات، ويولد إيمان برجل أعاد الحضور لأمة كادت أن تضيع.

 

 

الهامش العاشر 

 

منذ ذلك الحين استقرّ أنطون سعاده فيّ، لم يفارق أصابعي مرة واحدة.. كان وراء كل ما كتبته، وما قلته.. اخترت الاختباء تحت عباءته، لأننا ” إن كنا أقوياء سار بنا إلى النصر “.

 

 

الهامش الأخير 

 

في جعبتي حكاية تقول :

” كان يوجد ملك أعرجُ، ويرى بعين واحدة. وفي أحد الأيام دعا هذا الملك فنانين ليرسموا له صورته، بشرط أن لا تظهر عيوبه في هذه الصورة ! اعتذر كل الفنانين، إلا فناناً واحداً تقدم ورسم صورة جميلة خالية من العيبين !

كيف ؟ تخيّل الملكَ واقفاً وممسكاً ببندقية صيد موجهةٍ إلى هدف ما، مغمضاً إحدى عينيه، وحانياً قدمَه العرجاء.

وهكذا رسم صورة للملك بلا عيوب !

 

وبغض النظر عن الأهمية الفنية لهذه الرواية، فإن خطرها يصبح كارثيا إذا كان الهدف الرئيسُ منها تجاوزَ العيوب والأخطاء في مؤسسة ما، أو في متحد ما، أو في مجتمع بكامله، وأن نكون شهود زور لا سيما عندما نبتلع تاريخ الأمة السورية المكتوب بحبر الآخرين، أو عندما نسكت عن مشاهد البؤس والجهل والخيانة وقد صاروا علامات فارقة في مجتمع ننتمي إليه، ونؤتمن عليه.

وفي ذكرى الفداء نعود إلى سعاده الذي رفض أن يلعب دور الرسام المخادع، فكان سؤاله الأول:

_ ما الذي جلب هذا الويل لأمتي ؟

وكان سؤاله الثاني :

_ من نحن ؟

وفي غمرة العمل على وضع الإجابات الصحيحة لإنقاذ أمته، كمنوا له، واغتالوه قبل أن تشرق شمس الثامن من تموز، ويرى العالم عريهم.