نظام مارديني | 101 عام.. فلسطين بين وعد بلفور ووعد ترامب بـ «صفقة القرن»

الرئيسية مقالات

ليس صدفة أن تأتي «صفقة القرن» والتداول بها من مسقط والدوحة وأبو ظبي والمنامة والرياض، بالتزامن مع الذكرى الـ 101 لوعد بلفور، وبين الصفقة والوعد محاولات لتصفية القضية الفلسطينية وبتواطؤء خليجي وصمت دولي مريب.

اليوم تمر الذكرى الأولى بعد المئة لجريمة الوعد المشؤوم الذي شكل البداية لزرع الكيان الاستعماري على الأرض الجنوبية لسورية وحيث وضعت فلسطين رهينة استعمار انتدابي بريطاني، تهافت الجراد اليهودي إليها من كل دول العالم.

ومثلما شكل «وعد بلفور» سابقة تاريخية خطيرة حيث منح الأرض الفلسطينية للجراد اليهودي وشرد أصحابها الحقيقيين يبرز اليوم ما يسمى بوعد ترامب في «صفقة القرن» التي ترمي من خلالها الإدارة الأميركية إلى فرض شروط إنهاء القضية الفلسطينية بالتواطؤ مع مشيخات وممالك الخليج. وهنا لن ننسى تصريح ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، من أن لـ «إسرائيل» الحق في الوجود، في ما تستمرّ زيارات التطبيع بين مسؤولي الاحتلال وهذه المشيخات والممالك بعد انتقال هذه العلاقات من مرحلتها السرية إلى مرحلتها العلنية.

هكذا تقترب الحرب المستمرة من كشف دوافعها ومنطلقاتها العقدية من جديد. فمن أجل تثبيت دوافعها الحقيقية اليهودية للحرب، هل نلوم أجدادنا وآباءنا، رغم أننا ندرك ما كانت حالهم، حين وضع مصطلح «المسألة الفلسطينية» قيد التداول.. وحيث كانت الغيبوبة التاريخية والحضارية تطبق علينا بعد خمسمئة عام في «الثلاجة» العثمانية؟ وحيث ظلّ المصطلح يتفاعل زهاء قرن إلى أن فعل ما فعله الثنائي «سايكس بيكو» في إعادة ترتيب عظامنا.. أجل عظامنا التي لا تزال تعمل قبلياً حتى الآن! غريب أن يتعاطى بعض شعبنا في سورية الطبيعية بهذه اللامبالاة كلها بما يجري في فلسطين، بل وبهذا التواطؤ كله، مع «الوعدين» المشؤومين اللذين يسعيان، شئنا أم أبينا، لوضعنا في بطن الكارثة!

منذ نحو قرن وعام، زرعوا قنبلة «وعد بلفور» لاستنزافنا بل ولتحطيمنا. كل ما يمكن تصوّره، فعله ذلك الوعد فينا، وبدا، كما رأينا بالعين المجرّدة، كما لو أن الغروب الكبير للقرن هو الغروب الكبير للأمة.

تذكرون دافيد بن غوريون، وهو «النبي المسلّح»، كيف بدا وقد تلاشى قائلاً: «أذهب وفي ذاكرتي كل ذلك الدم». فيما قال عزرا وايزمان «تلك الأحذية التي تقود أرواحنا»، ومن دون أن ننسى مناحيم بيغن وشمعون بيريز وغولدا مائير ورابين وباراك ونتنياهو وغيرهم وغيرهم.. وكلّهم ارتطموا وسيرتطمون، بدمنا ويتناثرون.

بعد مئة عام وعام على وجود هذا السرطان في جسم أمتنا، وهو يتغلغل في الإمارات الخليجية ليشرعن وجوده، سيبقى كيان شظايا. الجميع ضد الجميع. حزب العمل قد ترهّل وتناثر، الليكود يتهاوى. إنها الحرب الحامية الوطيس. مَن ضد مَن؟ أإلى هذا جاءت أميركا بعد تهاوي حلم «من النيل إلى الفرات» لكي تضع قاعدة عسكرية مدجّجة في بطن فلسطين؟.. وفي نهاية المطاف، يتبارون: كيف نقتل الفلسطينيين بصورة أفضل، ألهذا جاءت «صفقة القرن» لتقصف ذاكرتنا التي لا تموت ولن تموت؟

مسيرات العودة وكسر الحصار أثبتت كم أن الفلسطينيين، بحاجة إلى أن يصبحوا ساعداً واحداً، أجل نقولها بالفم الملآن، لأن هناك مَن عمل، وعلى ذلك النحو المنهجي اللامرئي، على تحويل الفلسطينيين «شعوباً» مُعَدّة للتقاتل في ما بينها. ولكن التقاتل حول ماذا؟ هل تريدون أن نستفيد من تجربة هوشي منه وكيف وحّد ثلاثة عشر فصيلاً فيتنامياً تحت مظلة الفيتكونغ!؟

كانت المسافات واسعة بين الرجال، لكن القضية كانت كبيرة، وتمثلاً باللحظة الفيتنامية الكبرى، لماذا لا تكون اللحظة الفلسطينية الكبرى؟

هذه أيام دقيقة وصعبة، بل وخطيرة، ما دامت الذئاب تقف على المفترقات كلها، من العراق وسورية ولبنان والأردن وفلسطين.. بل تقف على كتفي «سوريانا» لتغتال ما تبقى من مقاومة في هذه الأمة.

هذه لحظة فلسطين.. فلسطيننا، فمَن يلتقطها؟

ومَن يصرخ: أيّها الفلسطينيون استيقظوا. قبل الدولة، قبل الايديولوجيا الدينية، قبل خرائط الطريق، وما أكثرها، وقد تحوّلت خريطة قطع أوصال الفلسطينيين. اجلسوا حول طاولة مستديرة، من دون وساطات مصرية أو قطرية، إذا لم يكن باستطاعتكم الجلوس إلى طاولة مستطيلة، ولا تخرجوا من المكان قبل أن تحرّروا أو توحّدوا فلسطين في داخلكم. حينذاك تصبح لكم خريطة طريقكم، وهي غير التي تطبخ في الأقبية المعتمة!

للعظيم أنطون سعاده: «لو وُجِدَ في سورية رجل فدائي يضحّي بنفسه في سبيل وطنه ويقتل بلفور، لكانت تغيّرت القضية السورية من الوجهة الصهيونية تغيّراً مدهشاً».