الأمين أسعد حردان | الثامن من تموز.. مدرسة للحرية والالتزام والفداء

الثامن من تموز

 الأمين أسعد حردان

رئيس المجلس الاعلى في الحزب السوري القومي الاجتماعي

 

تموز شهرُ وفاءٍ بل شهرُ فداء… فيه تُورق البراعم وينعقد الثمر، وعلى إيقاعه ينتفض الفينيق وينهض من رماده… في تموز تصفو السماء لتعاين الأطهار، وتتأهب الأرض لتتحسَّس عواملَ النبل والكرامة فيها قبل أن يزوبع أديمُها شقائقَ نعمانٍ حمراء.

 

لا، لن يقوى الزمن على محو تلك الليلة السوداء من التاريخ. إنها ليلة الثامن من تموز من العام 1949 التي شهدت اغتيال زعيمنا، انطون سعاده مؤسس حزبنا، وواضع عقيدته، وباعث نهضة عز نظيرها في هذا الشرق. في تلك الليلة وقف الظلم كله بوجه الحق كله، انتصر الحق بانتصار دم سعاده على سيوف الظلم، فالظالمون طواهم النسيان بينما بقي دم سعاده يتوهج بالحق على تقادم الأزمان.

 

يا زعيمي يا معلمي

دمك المسفوح على رمال بيروت وسام على جبين الأمة، وإكليلُ غارٍ مضفور على هامتها، ونفيرٌ داوٍ في صميم وجدانها. وإذا كانت حياتك الحروف التي خُطَّ بها نهج النهضة، فإن دمك الزكيّ يطرّز هذا النهج بالقدوة والفداء.

تسعة وستون عاماً، ورصاصات المؤامرة الخارجية التي اخترقتْ صدرك مازالت هي هي توجَّه إلى صدر الأمة المقاومة لعلّها تكتب في مرسوم اغتيالها السطر الأخير… تسع وستون عاماً، وفلسطين التي عشقتْ ترابها عيناك مازالتْ مصلوبة على الجلجلة. لكن شعبنا في فلسطين يتمرد باستمرار على القهر والظلم وينتفض على العدوان.

 

ضنيناً كنتَ على نفسك، سخياً على الأمة. وبقدر ما يؤرخ فجر الثامن من تموز وقفة العز البطولية، يؤرخ أيضاً ذروة العطاء والفداء.

 

وها نحن نقول لك في ذكرى خلودك، ان الحزب الذي أسست مازال أميناً على روحية البذل وفلسفة العطاء والتضحيات.

 

نعم أيها المعلم الخالد،

لقد زرعْتَ في الوطن أصيل البذور وسَقَيْتَها نَسْغ عروقك، كأنك تترجم بالتضحية المطلقة إيمانك بالأمة التي استأثرتْ بوجودك يوم قلت: “كل ما فينا من الأمة وكل ما فينا هو للأمة، حتى الدماء التي تجري في عروقنا عينها ليست ملكاً لنا، بل هي وديعة الأمة فينا… متى طلبتها وجدتها”.

أيها المعلم،

عندما نتبين حجم المؤامرة ندرك كم كانوا صغاراً أولئك المشاركون من المسؤولين فيها. حسِبوا قضيتك جهيضة فإذا هي جنين في أجيال لم تولد بعد، في مواكب وليدة وصفوف مديدة تحيّيك في لحظات الاستشهاد وتردد:

“وإن سألوكم عن رفات شهدائنا، قولوا لهم إن عظاماً في أجسادنا تتوثّب لأن تُمسي رفات شهدائنا”

 

وللقوميين الاجتماعيين أقول: تمسكوا بنهج النهضة الذي أرساه الزعيم سعاده، وبالمعاني والأبعاد التي يمثلها الثامن من تموز، وهي معاني التضحية والعطاء التي تسمو على الراحة الفردية والهناء الشخصي.

أنتم أيها المنتظمون في النهضة صفوفاً بديعة النظام،

أنتم خميرة مباركة في هذه الأرض الطيبة.. أنتم عنوان غدها ومجدها، وينبوع تنوعها وراية وحدتها.

أنتم دعاة السلم الأهلي وممارسوه المترفعون، لكنكم أُسود الوغى متى دعا الداعي للذود عن حياض الأمة، وهذا الداعي حاضرٌ أبداً في وعيكم ووجدانكم وتلبيتكم. فكونوا دائماً على قدْر التحدي وبمستوى الأمل المعقود عليكم أيام الرخاء وأيام المحن على حدّ سواء.

وقفتم إلى جانب جيشكم وشعبكم وقاومتم العدو الصهيوني وقدمتم قوافل الشهداء في أكثر من ساح من ساحات الصراع، وها هم رفقاؤكم في الشام يقاتلون الارهاب، الوجه الآخر للعدو الصهيوني، جنباً إلى جنب مع كل احرار الأمة، في كل جبهات القتال وقدموا الشهداء والجرحى، فباسمكم أحييهم وأحيي شهداءنا الأبرار على مساحة الامة. وثقوا أيها الرفقاء بأنكم، وكما قال زعيمنا “ملاقون أعظم نصر لأعظم صبر في التاريخ”.

السِّجلّ الخالد لشهدائنا الأبرار الذين كانوا أوفياء للقضية على الدوام كما كان الحزب على الدوام وفياً لهم.

الحق لنا والأرض لنا. إن الأرض التي لا تُنبت أبطالاً حريٌّ بها أن تُصبحْ قبرا.

وختاماً، دائماً وأبداً ملتزمون ما اوصانا به سعاده، أن نبقى أحراراً أعزاء “فإذا لم نكن أحراراً من أمة حرة فحريات الأمم عار علينا”.