شادي بركات | آخر الفرسان

الثامن من تموز

وكيل عميد الاذاعة في الحزب السوري القومي الاجتماعي الرفيق شادي بركات

يظنُّ الظالمون أنهم بزهق الأرواح تُسحق القضايا. خاب ظنهم فبالدماء تحيى الأمم ويولدُ من الشريان الأول شرايين يفيضُ منها بحرٌ من الدماء.
فجرُ الثامن من تموز 1949 اغتيل زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعاده. إنّ هذا الاغتيال يعني أن لا إمكانية لإيقافه إلا بالموت. وهم صدقوا بذُعرهم فمن اغتيل هدد وجودهم. هذا الوجود يعني أول مدرسةٍ سوريةٍ أصيلة في الاجتماع السياسي شكلت عقيدة حزبٍ قائمة على لغة العقل والعلوم وهي لغةٌ يفهمها الغرب المُحتلُّ جيداً بعيداً عن صفوف الكلام والأدب السياسي الذين طبعا لغة بلادنا السياسية لعقودٍ وما زالا.
والسيرُ عكس حركة التاريخ يعني سعاده. فارسٌ قاتل الهويات الكيانية المُلّية الناشئة ما بعد سايكس – بيكو، وما حركةُ حزبه إلا الخطة المعاكسة لمشروع المستعمر المتمثل بهذا التقسيم موحداً السوريين بالحياة، على عكس ما صاغ الغرب لهذه الامة من هوياتٍ وعقائد عرقية وإثنية ومذهبية.
بالمقابل فشلت حكومات هذه الكيانات الملّية من تأمين استقرارٍ اقتصادي وأمني وسياسي واجتماعي وانهيارها أمام حفنةٍ من اليهود، ليُعلن سعاده التعبئة العامة حيث جاء في “خطاب البرج” توجيهه للقوميين الاجتماعيين للالتحاق بوحداتهم جرداً باعتبارهم في حالة حربٍ حتى تحرير فلسطين ضمن حركةٍ منظّمة، شكلت خطراً وجودياً على اليهود وعلى الإقطاع المذهبي الحاكم.
جاء تدخُلَ سعاده بالسياسات النفطية الدولية كضرب الحسام على عُنق الغرب الخارج من الحرب العالمية الثانية بويلات اقتصادية، داعياً لاستخدام النفط كسلاحٍ دولي للضغط على الدول الكبرى لوقف دعمها لليهود والحدّ منه. ووقف بوجه اتفاقية مدّ أنابيب النفط “التابلاين” بالصيغة التي كانت قائمة باعتبارها تفقد النفط من قوته السياسية وبالتالي قدرة شعبنا على تحصيل حقوقٍ قوميةٍ كبرى من خلال اتفاقيات النفط. ليُشكل أوّل رؤيةٍ سياسية محلية للنفط.. وقد تكون آخرها.

الوصية

عظيمة نفوسنا، هي الحافظة للمبادئ، للعهد بالقضية، للقسم وللوصية. وإن آخر الكلمات التي حملها الكاهن الذي عرّفه نهجٌ للحياة وبها نسير.
أيها المتعاقدون على قضيةٍ تساوي وجودكم لكم في الوصية خلاصة،
إن الأمور تُقاس بنتائجها والعمر لا يُعد بالسنين إنما بالأفعال. إنّ زعيمكم قد انتصر لكم بدمائه وإن انتصاركم له لا يكون إلا بانتصار حزبه والمؤسسة التي أرساها حاملةً للعقيدة وعبرها تُسجّل للتاريخ فعل دمائه عبر الاجيال.
إن موتكم لا يكون إلا بشهادة الدماء أو شهادة الجهاد في الحياة، أنتم تلك الفئةُ القليلة في هذا العالم المجنون الذي ارتضى الموت دون سبيل… وما ارتضيتموه.
إنّنا في كُلّ ذكرى نحفرُ هذا العار على جبين التاريخ، أن اغتال هذا الكيان من سقى بدمائه استقلاله، وأيّ دماءٍ، أنقى الدماء، يرتجفُ الترابُ من ضمّها… من نهدته الأخيرة ما بعد نُطقه بالوصية: شكراً.

خطبةٌ فوق حصى الرملة البيضاء

يا قوم،

قد بلغكم ما جرى في الثامن من تموز، وإني الآن أنظرُ إلى الدماء تترقرق على امتداد المداد، والأعناق ضُربت والسمع ضاع.
وفي غمرة تلك الأمواج الهائجة أوضعتم في الفتن ومراقد الضلال وسننتم سنن الظلام، أفسدكم ضعف ولائكم، وتركتم عُملة الغرب في دولتكم، واتخذتم الشقاق والنفاق ومفاسد الأخلاق لواء، حتى عسُر إخماد نار البلاد.
أيها الناس،
إننا ما دعوناكم إلا دعوة حقٍ وإمضاء الحُكم على الظالمين، أما سيفنا فهو سيفُ رحمةٍ وعدالة، وما بطشنا إلا بالخائنين، فما دنوتم في التفرقة والباطل حتى هزمتكم الجحافل وجزّت سيوفُ مغول العصور أعناقككم.

أما لسورية جند خير من هؤلاء، لا تغمد سيوفهم مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا، ولا تركن خيولها حتى ينتهي درب سيرها ولا تنكّس راية جهادها إلا ليكون للسوريين أمة. فإلى الجهاد ومن أعياهُ داؤه فالسيف خير دواء…

أما أنت يا سورية، فلبّيك!