بدء النهاية – ثورة الشرق

مقالات سعاده

في كل مرة اصطدمت بعض قوات الشرق ببعض قوات الغرب وعاد الاصطدام على القوات الشرقية بالخسارة، كان المؤرخون الغربيون يعدُّون ذلك خذلان البربرية أمام المدنية، وينسبون إلى القوات الغربية مجد المحافظة على المدنية. ولقد ذهب المؤرخون الغربيون في غلوّهم هذا إلى حد أبعد من ذلك بكثير، فصاروا يعدون كل نهضة وطنية في بعض أقسام الشرق ترمي إلى الحرية والاستقلال حركة بربرية تهدّد المدنية التي تحمل أوروبة لواءها.

هذه الفلسفة التاريخية العقيمة التي أنتجتها أدمغة المؤرخين الغربيين المتعصبين، يعدّها القوم في الغرب إحدى الحقائق التاريخية. وقد تناولها الفريق الأكبر من الكتّاب الغربيين كما هي وغالى بعضهم في وصف «المواقف التاريخية» التي أنقذ فيها الغرب المدنية من خطر بربرية الشرق. ومن الغريب المضحك المبكي أنّ فريقاً كبيراً من كتّاب الشرق اقتفى أثر الكتّاب الغربين في جعل هذا الخطأ الفاضح حقيقة راهنة، حتى أنّ كثيرين منهم، وبينهم كثيرون من كتّابنا نحن السوريين، يسلّم بأن الشعوب الشرقية كلها، المرتقي منها والمنحط، ليست أهلاً للحرية والاستقلال ولا تصير أهلاً لذلك إلا إذا سيطرت عليها الشعوب الغربية أولاً وأعدتها للحرية والاستقلال.

هذه الفلسفة التاريخية العقيمة أصبحت الآن على وشك الاندثار، لأن النهضة الشرقية العامة الآخذة في الاقتراب شيئاً فشيئاً تبرهن جليّاً أنّ هذه الفلسفة والحقيقة على طرفي نقيض. وإذا كان التاريخ قد أثبت في الماضي أنّ المدنية غير مهددة من النهضات الوطنية، فإن التاريخ سيثبت في اقريب العاجل أنّ النهضات الوطنية في الشرق لا تهدد المدنية، بل تهدد البربرية الغربية المندغمة في المدنية، وتبعث من مهبط الوحي مدنية جديدة، لا تقل شأناً عن المدنية التي أعطاها الشرق للغرب أولاً.

نقول إنّ هذه الفلسفة التاريخية العقيمة أصبحت الآن على وشك الاندثار، لأن النهضة الشرقية العامة ضد بربرية أوروبة أصبحت محتمة كالقضاء والقدر. فالشرق لا يريد أن يعرف هذه الفلسفة العقيمة، ولا الذين يقولون بها من الكتّاب سواء كانوا غربيين أو شرقيين، فهو قد ضرب بها عرض الحائط في سورية ومصر ومراكش والصين والهند.

نقول إنّ هذه الفلسفة التاريخية العقيمة أصبحت على وشك الاندثار، لأن بوادر النهضة الشرقية العامة ضد بربرية الغرب قد بدأت في الظهور في الأصقاع الشرقية كلها. وليس ما هو جارٍ الآن في مراكش وسورية والصين، إلا بدء ذلك الاشتباك الهائل الآتي. ولا يسعنا هنا إلا أن نقول إنّ كل المجهودات التي بذلها الكتّاب الغربيون البعيدو النظر لوقاية أوروبة أو الغرب كله من خطر الاعتداء على حقوق الأمم الشرقية كانت باطلاً وقبض الريح، فإن أوروبة التي لم تعرف لهذه الحكمة الباهرة التي أظهرها لها ذوو الأفكار الصائبة قيمة ستدفع ثمن تعلّمها ثمناً غالياً جداً، لأن النهضة الشرقية ستكون أشبه بتيار جارف، أو زوبعة ماحقة لا يعترض طريقها شيء إلا أهلكته، ولا يقوم في سبيلها حاجز إلا دثرته.

لقد تباهى الأوروبيون كثيراً بتمكنهم من الانتصار في مناوشات صغيرة قامت بها بعض القوات الشرقية في الغرب، معتبرين الانتصار في كل معركة صغيرة إنقاذاً لأوروبة من خطر الشرق، وصدّاً للبربرية عن المدنية. أما الآن فإننا نبشر أوروبة بأن دور المناوشات الصغيرة قد زال وانقضى، وجاء دور الحروب الكبيرة ــــ دور وقوف المظلوم والظالم، صاحب الحق والمعتدي عليه، المستعبَد والمستعبِد، المستعمَر والمستعمِر، الضعيف القوي والقوي الضعيف، الشرق والغرب، أمام تلك المحكمة الرهيبة ــــ محكمة الحساب وتسوية الديون ــــ محكمة الحرب أو محكمة القوة. وفي تلك المحكمة الرهيبة، وسط أشلاء القتلى وآلام الجرحى، يؤدي كل من الشرق والغرب ما عليه للآخر، والرابح هو الذي يخرج من هذه المحكمة معترَفاً بتغلب قوته على قوة الآخر، لأن قوته تعطيه حقه وأكثر.

إذا كانت أوروبة تعتبر أنّ من العجز البحث عن الحق ما زالت القوة تنيلها الحق وأكثر، فإن الشرق يعرف هذه الفلسفة الباهرة وسيُري أوروبة أنها لا تنفع إلا القوي الأقوى، أما القوي الأقل قوة فلا تكون عليه إلا وبالاً.

رشحٌ قليلٌ من الشرق خبط أوروبة بعضها ببعض مرات عديدة، فماذا تكون حالة أوروبة يوم يتدفق السيل الشرقي عليها تدفقاً جارفاً، إندلاع ألسنة صغيرة قليلة من تلك النار الموجودة في الشرق التهم نصف أوروبة مرة في فترة عين من التاريخ، فمن يقول بعد هذا إنّ لهيب نار الشرق كله لا يهصر أوروبة هصراً ويفتتها تفتيتاً عندما تسير تلك الجيوش الجرارة جيشاً وراء جيش، وكل جيش لا يُعرف أين أوله ولا أين آخره، أسلحته تلمع تحت أشعة الشمس ووقع خطواته يحدث دبكة منتظمة هي رمز الزحف الظافر، وأبواق فرقه تبشر بضربة عظيمة هيأها ذلك الجبار العظيم لتأديب أوروبة الوقحة.

إنّ التاريخ الظالم الذي رمى الشرق بكل فرية وحكم على الشرق بما الشرق براء منه لا يطول أمد حياته بعد، وسيأتي بعده تاريخ آخر جديد يكون عادلاً منصفاً. ومتى ابتدأ التاريخ الجديد اضمحلت تلك العظمة الفارغة التي تبجحت بها أوروبة زمناً طويلاً، وتمزَّق ذلك الحجاب المزخرف الذي لعبت أوروبة وراءه أخبث الأدوار وأكثرها لؤماً وغدراً، وظهرت الحقيقة فاضحةً كذب أوروبة الهائل وخداعها العظيم.

ذلك التاريخ الظالم جعل أوروبة العالم كله، أما الشرق فهو فيه الغول الذي يريد سحق مدنية العالم وإقامة البربرية مقامها. ولكن الوقت الذي يقول فيه الشرق كلمته في ذلك التاريخ قد جاء، والشرق يستعد الآن لإعطاء حكمه الرهيب فيه، وهو حكم سترقص له عجائز أوروبة ولكن على غير نعم «خبب الثعلب».

أجل، لقد جاء الوقت الذي يقف فيه ذلك الجبار الهائل على قدميه، ويصدر أحكامه على أولئك الذين عبثوا بحقوقه، وهزأوا بتذمراته، وهو سينفذ أحكامه فيهم بقوة عضلاته الهرقلية، ومضاء عزيمته الفولاذية، وعندئذٍ تفتح أوروبة عينيها إلى أنّ الأحلام اللذيذة لم تذهب بالحقيقة المزعجة، والنهضات التي لا تزال في عهد حداثتها ليست إلا قسماً صغيراً من تلك الحقيقة، وما تلك الحقيقة إلا ما يسمُّونه خطر الشرق.

إذا كان الشرق خطراً على أوروبة فأوروبة هي التي جعلت الشرق خطراً عليها. ففي الماضي لم يكن الشرق إلا رسول سلام ومحبة، بيد أنّ أوروبة لم تكتفِ بما يقابلها به الشرق من السلام والمحبة، بل رأت أن تجعله عبداً دائماً لها. وهذا هو سر خطر الشرق. أما البربرية والهمجية اللتان تلصقهما أوروبة بالشرق، فهما حجة أوروبة الوحيدة لتبرير أعمالها الجائرة في الشرق، لذلك كانت الأنشودة الدائمة التي تنشدها أوروبة وهي تزيد أسلحتها وتقوي حربيتها، هي الوقاية من خطر الشرق الذي لم يكن له أثر قبل اعتداء أوروبة على الشرق، وأصبح بعد ذلك الاعتداء القبيح محتماً كالقضاء والقدر.

لم يصبح خطر الشرق حقيقة إلا بعد أن ذاق الشرق من مرارة الاستعمار الأوروبي أشكالاً وألواناً. وما الحرب القائمة سوقها في مراكش والثورة المندلعة ألسنتها في الصين، والاضطرابات الظاهرة في أمم شرقية عديدة، إلا نتيجة ذلك الضغط الهائل الذي تأتيه أوروبة في الشرق، وهي ليست إلا مقدمات لذلك العراك الفاصل الذي يضع فيه كل من الشرق والغرب قوته الكاملة.

لا ينتظر الشرق ولا يجب أن ينتظر إنصافاً من الغرب أو من التاريخ الغربي القائل «أوروبة فوق الجميع». لذلك كان لا سبيل إلى نيل الشرق حقوقه إلا بالاعتماد على ذلك السند الطبيعي الأخير الذي يلجأ إليه كل حي للدفاع عن نفسه وحقوقه، وهو القوة. فإن شرائع البشر كلها كانت نتيجة استعمال القوة ولم تتعدل إلا بالقوة. والثورات العظيمة في العالم تثبت هذه النظرية إثباتاً لا سبيل معه إلى الجدل.

القوة وحدها تخلص الشرق من استعمار أوروبة وتنصفه من غريمته، لذلك نقول بوجوب إضرام ثورة عامة في الشرق، ونحبذ تباشير هذه الثورة البادية في سورية ومصر ومراكش والصين والهند وأقسام أخرى من الشرق.

الشرق أصبح فاهماً فلسفة القوة، وهو يجب أن يستعملها حالاً وسريعاً. فإن إطالة أجل الاستعمار، يعني إطالة أجل الذل والعبودية والآلام الكثيرة.

كل أقسام الشرق أصبحت الآن على وشك الانفجار، ومتى انفجرت تلك الأقسام وشبّت الثورة الشرقية الكبرى المنتظرة، ابتدأ تاريخ جديد غير التاريخ القديم البالي الذي يتمسك به الأوروبيون ــــ تاريخ يعطي الشرق منزلته السامية التي أنكرها عليه تاريخ الأوروبيين.

اليوم لكم يا أهل أوروبة، وأما الغد فهو لا شك لنا. وليس الغد ببعيد، فإلى الغد!

انطون سعاده – المجلة، سان باولو، 1/7/1925

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.