د. وسيم بزي | لو كان انطون سعاده حياً

الثامن من تموز

د. وسيم بزي

باحث وأستاذ جامعي

 

ليس سهلاً الكتابة عن أنطون سعاده في ذكراه. ولكثرة ما كتب ويكتب عنه في كل الميادين والمجالات وعلى مدى عقود تظل الكتابة عنه محكومة بالإضاءة على أبعاد جديدة في شخصية هذا المارد وعقله ورؤيته الاستثنائية لواقع أمة بحاضرها ومستقبلها.

ولهذا السبب فإن ما يبرر مثل هذه الكتابة اليوم هو السؤال:

ماذا لو كان “سعاده” حيّاً اليوم؟

عوالم ما زالت تتوالى كحلم فقط غير قابل للتحقيق، بل كبوصلة لا يمكن إلاّ اعتماد كنهها اذا كان الهدف تعزيز وحماية حاضر هذه الأمة وكذلك مستقبلها في الوحدة والتحرر كأمة تستحق بأبنائها ما يليق بها وليس كأمة تتعرض لما تتعرض له بلدان عديدة وعلى رأسها سوريا والعراق اليوم.

ولا مبالغة في القول اليوم أنّ أنطون سعاده في ذكراه، لم يعد مجرد قائد حزبي او مفكر خلاق او صاحب مشروع تغييري، بل تحول الى أحد التعابير العميقة لوجدان هذه الأمة. وجدان يحرك الحدس والعقل ويشكّل جزءاً من الشخصية العامةلهذه الأمة التي كتب عليها النضال والمقاومة على مرّ القرون.

منهجية لما ينبغي أن يكون عليه حال الأمة، فتعملق على هذا الصعيد وبات ما كرسه من مفاهيم نبراساً لصيغ العمل التحرري الجاد يعتمدها الاحرار ويخشاها الأتباع ممن اختاروا العمالة لأنظمة البترو-دولار والتبعية لمشاريع السيطرة على المنطقة ومقدراتها ومصائرها.

لم يغب أنطون سعاده في كل ما يرمز إليه من عناوين براقة وطامحة وسباقة، وفي كل ما خلفه من تحريك للبئر الراكدة فكرياً واجتماعياً وسياسياً، سواء في كسره للتقليد أو صناعة عوالم ما زالت تتوالى ليس فقط كحلم غير قابل للتحقيق، بل ولا شك عندي، وإن كنت لم اسمع مثل هذا الكلام نقلاً عن السيد نصرالله أو منه، إنّ نظرته إلى أنطون سعاده لا تختلف عن نظرة كل من يحترم سيرته وفكره وذكراه، لاسيما وأن الرجل تحول بعيداً عن أي حزبية إلى عنوان واقعي وعملي للكثير من العبارات والمفردات والمصطلحات الناضحة بالسعي للتحرر والتوحد والاستقلال الحقيقي والفعلي.

فهو أكثر من مفكر وأكبر من مجرد قائد، ويكفي التأكيد على ذلك هو أنّ مفاهيم عديدة وقيّماً وفيرة صارت اليوم جزءاً من مناخات بفضل ما اجترحه من أفكار وما استنبته من أنماط.

أول ما يخطر في بالي رداً على هذا السؤال هو أنّ علاقة مميّزة لا بدّ انها كانت ستجمع أنطون سعاده بأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، رغم الفارق بينهما في الخلفية والعقيدة وطريقة التفكير، إلاّ أنّ ما بينهما الكثير ممّا يجمع بدءاً من الحرص على الأمة ومنعتها وكرامتها وتحررها من نير الإستعمار بأشكاله القديمة والجديدة، مروراً بالانسان والسعي إلى بلورة هويته وإنتمائه الحقيقيين ووصولاً آخِراً وليس أخيراً إلى المقاومة بكل ما جسدته وتجسده في مواجهة العدو |الاسرائيلي” والفكر التكفيري ومشاريع التفتيت والتقسيم والتبعية.

وفي ظل الأوضاع الخطيرة غير المسبوقة التي نعيشها في أكثر من كيان وإقليم مما يطلق عليه تسميات،  الدولة في أمة أمعنت سايكس – بيكو في تقسيمها، ويراد اليوم المضي في تجزئتها وتفتيتها ليس فقط على مستوى الكيانات بل وأيضاً على مستوى المجتمعات والجماعات الأصغر. ما هو الموقف الذي كان يمكن لسعاده المفكر والمبدع والقائد أن يتخذه وأي خطوات كان يمكن أن يقوم بها، وهو السبّاق إلى اتخاذ مواقف إباء وعنفوان وكرامة، مع استعداد للتضحية والبذل في سبيل ذلك.