النائب محمد خواجة | سعاده … شخصية استثنائية

الثامن من تموز

النائب محمد خواجة

نائب في البرلمان اللبناني وعضو مكتب سياسي في حركة أمل

 

يتحدث الكاهن إيليا برباري عن الساعات الأخيرة التي سبقت عملية إعدام أنطون سعاده، ليل الثامن من تموز 1949 بالقول “كان الزعيم يبتسم هادئاً مجيلاً عينيه من وجه إلى وجه، وكأنه يودعنا مهدئاً من روعنا”. وحين طلبت إليه الإعتراف، أجاب “ليس لي من خطيئة أرجو العفو من أجلها. أنا لم أسرق، لم أدجّل، لم أشهد بالزور، لم أقتل، لم أخدع، لم أسبب تعاسة لأحد”.

ومن آخر كلماته لحظة مواجهة جلاديه، “أنا لا يهمني كيف أموت، بل من أجل ماذا أموت. كلنا نموت ولكن قليلون منا من يظفرون بشرف الموت من أجل عقيدة. يا خجل تلك الليلة من أحفادنا”.

لقد سار سعاده في طريق جلجلته على خطى قادة كبار، حدثنا التاريخ عنهم، سبق، وافتدوا بحياتهم القضية التي آمنوا بها.

قبالة تلك المشهدية التي يختلط فيها القدر بالبطولة، يغدو صعباً مقاربة شخصية استثنائية بقامة أنطون سعاده، القائد السياسي والمفكر والفيلسوف وعالم الاجتماع، المتمكن نطقاً ونصّاً، من العربية والإنكليزية والفرنسية والألمانية والبرتغالية… ويزداد الأمر إشكالية، كونه مؤسس حزب لا يزال، بعد نحو تسعة عقود على ولادته، ينبض بديناميات الفعل والتفاعل والتأثير في مجتمعه والمحيط الإقليمي.

لقد آمن سعاده بنهضة الأمة السورية ذات الحضارة الموغلة في التاريخ. وسخّر حياته القصيرة عمراً، والمديدة فكراً ونضالاً وعطاءً من أجل وحدتها، ورفع شأنيتها في عالم قائم على منطوق القوة والغلبة.

وراحت أفكاره النهضوية والتحررية تتبلور، مع مطلع عشرينات القرن الماضي، ومحورها مركزية القضية القومية المتمثلة بوحدة سورية في هلالها الخصيب التي يفترض أن تشكّل قاعدة ارتكاز للوحدة العربية الأشمل.

لم يقتصر نشاط سعاده على الكتابة والتنظير فقط، للتعبير عن قناعاته، بل صرف جلً الأيام والليالي، يجوب بلا كلل، قارات وبلداناً، حيث انتشار الجاليات العربية في أميركا اللاتينية وأوروبا، فضلاً عن كيانات سورية الكبرى، ورغم قضاء الشطر الأكبر من حياته في المهاجر، إلاّ أنّ عقله وروحه، كانت قبلتهما، دوماً سورية…

تنبه أنطون سعاده إلى ضرورة التنظيم السياسي لإنجاز الغاية الكبرى التي نذر نفسه لها، فأسس “الرابطة الوطنية السورية” (1925) ليحّل مكانها بعد سنتين “حزب الأحرار السوريين” بقصد نشر الوعي والتنظيم بين أبناء الجالية العربية في البرازيل وشقيقاتها الدول اللاتينية. ومهّدت تلك التجارب الجنينيّة في التنظيم، لتأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي (1932) في بيروت التي عاد إليها بعد غربة طويلة، لتكون محطّ تحركاته باتجاه الكيانات السورية. وسرعان ما استقطب الحزب الوليد نخبة من المثقفين والأدباء والشعراء ومناضلين من كل الشرائح المجتمعية في لبنان وسورية والأردن وفلسطين.. وكتبت مجلة “العاصفة” (5 شباط 1937) “إن الحزب قد بلغ ما يزيد عن 22 ألف عضو في جميع أنحاء سورية”.

ذاك الحضور المتنامي للحزب، أثار حفيظة الاحتلال الفرنسي والحكومة التابعة له، فأقدمت على اعتقال زعيمه وعدد كبير من قياديه وكوادره غير مرة. في تلك المرحلة، برزت قوة شكيمته وقدرته القيادية على إدارة العمل الحزبي من خلف القضبان.

استغّل أنطون سعاده فترات الاعتقال، لاستكمال أبحاثه في قضايا سياسية وفكرية وفلسفية واجتماعية، بحيث لم يترك مسألة مطروحة في زمانه، إلاّ وأشبعها درساً وتمحيصاً، فأسست تلك المقاربات النظرية لصوغ عقيدة متكاملة السوريين للقوميين.

وفي السجن أنجز كتاب “نشؤ الأمم” (1937) الذي يعّد، بجدارة، أيقونة أعماله الفكرية.

لقد ترك سعاده لكل المؤمنين بقضيته، خزيناً نضالياً وتنظيمياً وفكرياً، شكل من بعده، مرجعاً لقادة الحزب ومنظريه. وهذا الخزين فرض ولا يزال على القوميين السوريين تحدياً، بوجوب تحديثه وتكييفه مع متغيرات الأزمنة، لأن أي فكرة مهما سمت قيمتها، تبقى نتاج فضائها الزماني والمكاني. وهي بحاجة مستدامة إلى التطوير، حفاظاً على بريقها وأسباب بقائها.

لم تشغل الأعمال النظرية سعاده عن متابعة الشؤون الدولية، حيث كانت تتكدس غيوم سوداء في سماء القارة العجوز، تنذر بحرب كونية، لن تسلم من شظاياها منطقة الشرق الأوسط.

إضافة إلى التحديات والمخاطر المحدقة بالأمة، حينذاك، كمسألة استقلال الكيانات السورية، وانسلاخ إنطاكيا، وفيما بعد لواء الاسكندرون (1937) بفعل تواطؤ فرنسي مع السلطات التركية كرشوة لها، لتحييدها وجعلها تصرف النظر عن التحالف مع ألمانيا الهتليرية، عشية الحرب العالمية الثانية.

رغم جسامة فقدان إنطاكيا واسكندرون في أقصى الشمال السوري، ورزوح كيانات سورية الكبرى، تحت سطوة الاستعمارين البريطاني والفرنسي، بقي الحدث الفلسطيني، يمثل لدى سعاده مركز الصدارة في حركته وعقله ووجدانه. وكان في السابعة عشرة من عمره، حين كتب مقالة له بجريدة “الجريدة” (تشرين الأول 1921) نبّه فيها من الخطر الصهيوني المتمّثل بالهجرة اليهودية المنظمة، وتسريع وتيرة عسكرة الوجود اليهودي في فلسطين، بالتساوق مع نشوء منظمة الهاغاناه. في دلالة على امتلاك سعاده، في سن مبكر، رؤية استرتيجية إستشرافية تجاه خطر المشروع الصهيوني على فلسطين والعرب.

وفي شباط 1925، حذر من تقدم الحركة الصهيونية على الأرض قائلاً: “حتى الآن لم تقم في سورية حركة منظمة مثلها، تكون معاكسة لها… إننا الآن نواجه أعظم الحالات خطراً على وطننا ومجموعنا”.

لم يكتف سعاده بالتنبيه والتحذير، فمع تزايد الصدامات والاشتباكات المسلحة بين المستوطنين الصهاينة والفلسطينيين، في ثلاثينات القرن المنصرم، دعا السورييين القوميين للقتال إلى جانب أخوانهم أصحاب الأرض، مطالباً الحكام العرب بتوفير السلاح للثوار، وعدم ترك الفلسطينيين وحدهم ولقدرهم. لكنّ الأنظمة العربية الضعيقة والتابعة للاستعمار، آنذاك، لم تستجب للنداء… ويحضرنا اليوم، تكرارٌ أكثر مأساوية للتاريخ، إذ ما أشبه اليوم بالبارحة، مع فارق انتقال أغلب الحكام العرب من سياسة إدارة الظهر للصراع، والتخلي عن مسؤولياتهم القومية إلى مرحلة التواطؤ والتنسيق المفضوحين مع العدو الأميركي و”الإسرائيلي” جهاراً، تحت عناوين ما سميّ بصفقة القرن أو العصر، لا فرق، ضد أبناء جلدتهم، الفلسطينيين والمقاومين من أحرار العرب…. ولو كانت الكلفة تصفية القضية الفلسطينية وتثبيت كيانية الدولة اليهودية.

لقد نجح أعداء النهضة القومية في اغتيال سعاده، أما مبادئه وأفكاره التي يعمل السوريون القوميون بهديها، فبقيت عصية على مقصلتهم، في تجسيد لمقولة زعيمهم لحظة مواجهته القتلة “أنا أموت.. أما حزبي فباق”.

هذا الحزب الشريك في المقاومة والتمسك بالقدس وفلسطين، والتطلع إلى وطن أفضل متخفف من رجس التبعية والفساد والعصبيات، حزب سعاده العابر للطوائف والمذاهب والهويات، نحن في حركة أمل مثل كل الوطنيين، لنا فخر التحالف معه في مسيرة نضال وجهاد، لن يهدأ، حتى بلوغ الغايات الكبرى والنبيلة .