القنصل رمزي حيدر | الحياة وقفة عزّ

الثامن من تموز

القنصل رمزي حيدر 

الرئيس العالمي للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم – بيروت | لبنان

 

عاش زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي ومؤسسه أنطون سعاده خمسة وأربعين عام لن ينتهي تأثيرها وتداعياتها بعد خمسماية عام لأن الحزب الذي أسسه والعقيدة القومية الإجتماعية التي أرساها لا تزال تسري في عروق محازبيه الذين يعتقدون أن عظمة هذا الرجل تتجلّى بقدراته الفكرية والعلمية منذ شبابه، حيث نهل العلوم بجدّ وكدّ، على أيدي أبيه في البرازيل بعد أن بدأ دراسته في مدرسة الفرير في القاهرة، وهو المولود في بلدة الشوير التي لا زالت وفيّة لإبنها البار حيث عاد إلى وطنه لبنان بعد أن توفيت والدته وقد عاش في كنف جدّته لأن والده كان قد سافر للعمل في الأرجنتين. تابع دراسته في مدرسة برمانا ولكنه هاجر مع اخوته الى اميركا ثم البرازيل للإلتحاق بوالده، فدرس لغّات عديدة وكان يميل الى قراءة الفلسفة والتاريخ وعلم الإجتماع والسياسة، وساهم مع والده في إصدار صحيفة ومجلة، وبدأ بالكتابة وهو لا يزال شاباً صغيراً، حيث تجلّت في كتاباته روح المسؤولية والبعد الثوري، فكان يعبّر بجرأة ضد الإحتلال الفرنسي منادياً باستقلال سوريا عام 1922، مستشرفاً الخطر الصهيوني على سوريا الطبيعية كما كان يسميها، وهو الذي أدرك التآمر المترابط في مشروع الحركة الصهيونية ما بين وعد بلفور المشؤوم واتفاقية سايكس بيكو. هذه الإتفاقية بين وزيري خارجية فرنسا وبريطانيا الداعية لتقسيم سوريا الطبيعية الى خمس كيانات ووعد بلفور المخطط لإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، فكانت كتاباته الباكرة عن الويلات الطائفية والمذهبية والكيانية والتقسيمية والإستيطانية التي نتجت عن اتفاقية سايكس بيكو ومعاهدات سيفر ولوزان.

أول وقفة لسعاده بوجه المستعمر الفرنسي كانت أثناء محاكمته الأولى مدافعاً عن حقّه في تأسيس الحزب، وأول من أرسل مذكّرة الى عصبة الأمم بأنها لا تملك الحق في تقرير مصير فلسطين لأن هذا حقّ الأمة السورية مجتمعة، كما كان أول من استشعر دور البترول كسلاح، فمن حق الأمة حماية مصالحها من الأطماع الغربية والاستيطان اليهودي. وهو أول من وضع البراهين العملية والعلمية عن وحدة سوريا الطبيعية تاريخياً وجغرافياً عندما كتب مؤلفة “نشوء الأمم” مبيناً مكامن القوة في وحدتها ودورها الريادي في العالم العربي.

كان انطون سعادة بعد أن اتضحت لديه الصورة التفصيلية للمؤامرة على سوريا، يسعى ويعمل على إنشاء حزب يوحّد من خلاله أبناء الجالية السورية في البرازيل بين عامي 1925 و 1930، وبعد أن عاد الى لبنان  سافر الى دمشق  معتقداً بإمكانية العمل  السياسي فيها، كونها عاصمة سوريا التاريخية. وشكلت يومها ملتقى ومركزاً للمعارضة السياسية للانتداب، فمكث فيها سنة واحدة ورجع الى بيروت ليمارس مهنة التعليم في الجامعة الأميركية، وهذا ما أتاح له فرصة التحرك السياسي والحوار الفكري سواء مع الطلاب أو مع الجمعيات الثقافية، ما ساهم في بلورة فكره القومي الإجتماعي الذي أسس للعقيدة القومية المعبرة عن المنهج الفكري للحزب السوري القومي الإجتماعي الذي أسسه في 16 تشرين الثاني  1932 كحزب سرّي. وحتى يستطيع نشر فكره وعقيدته أصدر مجلة ” المجلة ” في بيروت بعد أن كان أصدرها مع والده في البرازيل وبدأت تصدر المقالات والتحليلات والدراسات التحليلية في موضوع “الأمة” استنبطها من علم الإجتماع الحديث بعيداً عن مفهوم الغرب الذي كان يفلسف الأمة بمنظور عرقي وعنصري.

خلال فترة زمنية قصيرة وبالتحديد عام 1935، انتشر الحزب السوري القومي الإجتماعي في الأوساط الثقافية، خاصة الشبابية، وفي أول اجتماع عام للحزب قدّم الزعيم وثيقة فكرية عن العقيدة السورية عبر خطابه الى الأعضاء، وبالرغم من السريّة المطلقة للعمل الحزبي، علمت السلطات الفرنسية بأمر الحزب ونشاطه، فاعتقلت انطون سعاده مع عدد من رفاقه. دخل السجن لستة أشهر أتاحت له إكمال مؤلفه “نشوء الأمم” وخرج من السجن في 12 أيار 1936، ولكن سلطات الإنتداب أعادت اعتقاله لأنها اعتبرت أن مشروع انطون سعاده يهدّد المصالح الإستعمارية الفرنسية التي تسعى لفصل لبنان عن سوريا الطبيعية والتاريخية. بقي في السجن لغاية 12 تشرين الثاني 1936، كتب خلالها شرح مبادىء الحزب وغايته، وأعاد الإنتداب اعتقاله في 9 آذار 1937، وبقي سجيناً حتى 15 آيار. بعد عدّة أشهر أصدر سعاده جريدة “النهضة” التي ساهمت عبر النخب الثقافية في تحليل السياسات الخارجية والحوار مع القوى السياسية والرد على طروحاتها، خاصة على البطريرك الماروني والقوى الإنعزالية في الشام ولبنان. في هذه الفترة كان الحزب قد أسس فروعاً له في بلاد المهجر فزارها الزعيم في عمان وحيفا وقبرص والمانيا وصولاً الى البرازيل. أغضبت هذه الزيارات سلطات الإنتداب فداهمت مراكز الحزب في لبنان وأوقفت صحيفة النهضة وضيقت على القوميين ومنعتهم من ممارسة العمل الحزبي والإجتماعات، وأصدرت مذكرة قضائية بحق رئيس الحزب وضغطت على البرازيل لتوقيفه، غادر بعدها الى الأرجنتين وبقي فيها حتى عودته.

ظل في المغترب بعيداً عن وطنه حتى 2 آذار 1947 تاريه عودته الى لبنان بعد جلاء القوات الفرنسية إنما لاقت عودته اعتراضاً من رئيسي الجمهورية والوزراء بشارة الخوري ورياض الصلح بعد الاستقبال الكبير الذي حظي به في مطار بيروت. فأصدرت السلطات القضائية اللبنانية بحقه مذكرة توقيف ثم ألغتها في تشرين الثاني من العام نفسه، وخلال حرب فلسطين عام 1948 ، أطلق الزعيم حركة مواجهة قومية كاملة ضد الصهاينة واليهود وبدأت الصدامات مع الدولة اللبنانية التي منعت الحزب من عقد الاجتماعات، فلجأ سعادة الى دمشق عام 1949، ولكن صاحب الإنقلاب حسني الزعيم سلمه الى السلطات اللبنانية عبر صفقة مشبوهة، بضغط من الفرنسيين، فحاكمته السلطات اللبنانية محاكمة شكلية قضت بإعدامه على تراب بيروت التي أحبّ وضحى من أجلها، لتنطوي صفحة مشرقة من تاريخ رجل عظيم، غاب جسداً وبقي فكراً، وعاشت كتاباته ومقالاته وخطبه في عقول وأفئدة رفاقه ومحازبيه، تاركاً إرثاً فكرياً وفلسفياً هاماً حول مفهوم الأمّة. ومن يقرأ كتابه “نشوء الأمم” الذي يفند أصول نشوء الأمة وتكوينها، والذي يعتبر من أهم الكتب في علم الإجتماع بعد ابن خلدون ومقدمته. وكذلك من يقرأ “المحاضرات العشر” التي شرح فيها مفاهيم ومبادئ الحزب، كذلك كتابه “الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية ” يعرف أهمية هذا الرجل والخسارة الكبرى التي منيت بها امتنا بخسارته.

عندما نقرأ ما تقدم ونعرف ما حصل، هل نطالب بإعادة محاكمة انطون سعاده أم نحاكم من أعدموه، أم نحاكم أنفسنا لنقيّم تلك المرحلة، وكيف كان لهذه الأمة أن تكون بل لهذا المشرق، لو قدّر لهذا الرجل أن يحقق أحلامه وأفكاره ورؤيته للمجتمع، أم ترانا نستطيع أن نستلهم ما يمكن، وأن نستطيع نجدة مجتمعنا ونعيد للأحرار حقّهم في التاريخ، وللأحياء منهم حقّهم في الحياة السعيدة.

منذ استشهاده حتى اليوم دخل المجتمع في جدل عقيم سواء كان مباشر أم غير مباشر، فالأزمات التي يمرّ بها المشرق العربي لم تعد تحلّها النظريات السياسية والإقتصادية عبر المكتبات والقاعات، لأن التحدّي على أرض الواقع يحدّد النجاح أو الفشل، فهذه السنين الأخيرة قد أفرزت الإرهاب والتيارات التكفيرية التي هدّدت مجتمعاتنا وأوطاننا، وكم كان انطون سعاده على حقّ عندما طرح في بداية نضاله سؤاله الوجودي: “من نحن”؟ وقد أجاب على نفسه بأن سوريا الطبيعية هي التي تشكل أمّة تامة، أليس الصراع الذي نعيشه اليوم هو الصراع على الهوية؟ فالمنحى القومي الإجتماعي هو الذي يبعدنا عن الطائفية البغيضة أو العشائرية أو المذهبية أو المناطقية.

أوليس أنطون سعاده هو القائل: “إن اقتتالنا على السماء افقدنا الأرض”، وهو الذي طرح فصل الدين عن الدولة ودعا الى إزالة الحواجز بين الطوائف والمذاهب. اما في الإقتصاد فهو الذي دعا الى تأسيس الإقتصاد القومي على أساس الدورة الإقتصادية الإجتماعية، وهو الذي أوضح أهمية البترول في الصراع العالمي، أوليس هو الداعي الى إعداد  جيش قوي يدافع عن الأمة والوطن وحقوقهما،  وهو القائل “تنازع موارد الحياة والتفوق بين الأمم هو عبارة عن عراك وتطاحن بين مصالح القوميات، ومصلحة الحياة لا يحميها في العراك سوى القوة بمظهرها المادي والنفسي” حيث أن الإقتصاد له أهمية كبرى في التعامل بين دولنا، ولكن الجيش هو الضامن الأساسي لهذا التكامل.

ان المؤامرة التي تعرض لها الزعيم انطون سعاده وطريقة الاغتيال التي حصلت عبر تلك المحاكمة المشبوهة، ستبقى وصمة عار على الجبين ما لم تصحح الأجيال المتعاقبة كتابة التاريخ بأحرف من نور، وصدق، وعزّة، وكرامة، كما أرادها عظماؤنا ومنهم الزعيم.. أنطون سعاده.