د. بشارة الأسمر | في ذكرى استشهاد الزعيم انطون سعاده مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي

الثامن من تموز

الدكتور بشارة الأسمر 

رئيس الاتحاد العمالي العام في لبنان

 

“أنا أموت أمّا حزبي فباقٍ، وأما أبناء عقيدتي سينتصرون” بهذه الكلمات ختم الزعيم، أنطون سعاده سيرته الشخصية كما يقول البيان الذي أصدرته عمدة الإذاعة والإعلام في الحزب السوري القومي الاجتماعي يوم 8 تموز 1949.

بعد سبعة عشر عاماً من تأسيسه لهذا الحزب (1932) قدّم من خلال هذه الحقبة رؤية نوعية وتوصيفاً دقيقاً لأسباب الجمود والتردّي والتخلّف وأسس للقضية التي أنشأ الحزب في سبيلها ووضع التشريعات اللازمة له. فبقي بذلك زعيماً حياً بعقيدته وفكره ونهجه وتضحيته وبإيمانه بقضيته.

تسعة وستون عاماً على المحاكمة الصورية التي تمّت تحت جنح الظلام والتي اغتيل فيها الزعيم بعد ساعاتٍ سبع على اعتقاله وستة وثمانون عاماً على نشأة هذا الحزب ولا يزال حزباً شاباً ينهل من أفكار الزعيم ومن كبار المثقفين والقادة القوميين الذين أعطوا هذا الحزب حياتهم وجهودهم وأفكارهم ودماءهم.

وإذا كان الزعيم أول من حذّر في ثلاثينيات القرن الماضي من خطر إنشاء الكيان الصهيوني في محاضراته وكتاباته وفي أدبيات الحزب فإنّ هذه السمة لازمت حياة الحزب وتعمقت في صفوف مناضليه فسجل مقاوموه ملاحم البطولة والفداء في مواجهة أعداء الأمة والوطن. ولا ينسى شعبنا اللبناني أمثال هؤلاء الأبطال ومنهم سناء محيدلي وخالد علوان وسواهم من المناضلين القوميين في فترة الاجتياح “الإسرائيلي” للبنان عام 1982.

ولأنّ هذا الحزب تأسس على قواعد فكرية علمانية تؤمن بفصل الدين عن الدولة مع احترامه الكلي للحريات الدينية وللأديان جميعها فإنه انخرط في صفوف المقاتلين والمجاهدين والجيش العربي السوري في مواجهة المد التكفيري الذي حاول اجتياح سوريا ولبنان في السنوات القليلة الماضية.

لقد ناضل الحزب السوري القومي الاجتماعي مبكراً ضد الإقطاع ومن أجل تنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمال. وانطلق من فكرة أنّ سوريا الطبيعية بمكوناتها الاقتصادية والاجتماعية وبثرواتها وتاريخها الطبيعي المشترك هي الحل وهي مستقبل الأمة من دون أن يهمل تفاعل سوريا الطبيعية والتضامن العربي في وجه الامبريالية والاستعمار والرجعية المحلية المعادية لفكرة العروبة الحقيقية.

وانطلاقاً من مقولة «سعاده» أنّ «المجتمع معرفة والمعرفة قوة» ننظر إلى هذه المعرفة كمعرفة علمية توظّف في حياة المجتمع صناعةً وزراعة لا يمكن إنشاء مجتمعات حديثة وبناء طبقة عاملة وحركة نقابية قوية ومتمكنة من دون نهوض قطاعات العمل الإنتاجية وإمكانية مزاحمة السلع الأجنبية وإبقاء مجتمعاتنا استهلاكية وقائمة على الريوع النفطية والمالية والعقارية مما يزيد في حالة التراجع والتخلف في بلدنا ومجتمعاتنا العربية ويضعف مقاومتنا للعدو الصهيوني.

وفي هذا المجال كان للاتحاد العمالي العام تجربة مثمرة مع قيادات الحزب السوري القومي الاجتماعي الذين تعاقبوا على قيادة الحزب وعلى وجه الخصوص مع الوزراء الذين تسلّموا وزارة العمل وهما رئيسان أسبقان للحزب النائب أسعد حردان والوزير الراحل علي قانصو. وقد طبعت فترة توليهما وزارة العمل أكثر الفترات من الايجابية والتعاون المثمر مع الاتحاد العمالي العام والحركة النقابية وذلك على الرغم من الظروف الشديدة التعقيد التي مرّت وتمرّ بها البلاد اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.

في ذكرى استشهاد الزعيم والمؤسس أنطون سعاده يعلّق عمال لبنان وشعبه آمالاً كبيرة على دور الحزب السوري القومي الاجتماعي بصفته حزباً علمانياً لا طائفياً ولا مناطقياً وينخرط أكثر فأكثر في الحياة العمالية والنقابية وتحديداً في ظل انغماس القوى السياسية في لعبة المحاصصة الطائفية والمذهبية وجرّ البلاد وثرواتها نحو الخصخصة وبيع القطاع العام بأبخس الأثمان ووضع الاقتصاد الوطني ومستقبل الأجيال في مهب الريح وفي أيدي الشركات العابرة للقارات.

في هذه الذكرى العزيزة على قلوب كل الأحرار نتمنى للحزب السوري القومي الاجتماعي المزيد من النجاح والتقدّم والعمل في سبيل نصرة عمال لبنان وشعبه وحركته النقابية.