د. ريم يازجي | أنطون سعادة الرجل القائد والقدوة

الثامن من تموز

الرفيقة د. ريم ندرة يازجي

استاذة محاضرة في كلية طب الأسنان | جامعة دمشق

 

العظماء في التاريخ هم رجال أصحاب قضية… هم قامات خرجوا من حدود الزمان والمكان… رجال خططوا لحياة جديدة ورسموا مثل عليا بديعة لمجتمعاتهم….

قطعاً إن التاريخ الإنساني يصنعه العظماء، خصوصاً أولئك الذين يمزجون حبر المعرفة وعرق الجبين بدم الشهادة في سبيل الحق والحرية والحياة ليصنعوا منه اكسير المجد والخلود… هم القادة القدوة الذين لا ينتهون بسقوط أجسادهم وموتها… هم رجال يستمرون بسيرتهم وأدوارهم المميزة وبأعمالهم التي لا تفنى… هم القدوة الحسنة والمثال وهم الشعلة الوهّاجة التي تنير الدرب لشعوبهم وللآجيال الآتية.

فعندما تكرم المجتمعات الحيّة والفاعلة في العالم شهداءها وعظماءها ورموزها السالفة والآنفة وتعظّم قدرهم، انما بذلك تكرّم نفسها وتكرّم القيم المثالية في المجتمع، لأن الشهداء من القادة الحقيقون هم ضحية الهم الإجتماعي الذي يرتبط بكل الناس وهم طليعة انتصارات المجتمع.

أنطون سعاده هو عظيم من عظماء هذه الأمة وفاديها، هو رجل المبادىء والقضية ومعلم الأجيال وهاديها، رجل سالت دماءه الزكية عل رمال بيروت في الثامن من تموز 1949 لتنبت شقائق نعمان ولتحّول أرضنا الطيبة إلى ربيعٍ حقيقي هو ربيع الخصب والخير ومواسم الحصاد، ربيع الأمل والحب والجمال ودفق العطاء.

الثامن من تموز هو ذكرى وقفة عز بالنسبة للقوميين الاجتماعيين قل نظيرها.. يجدِّدونهاَ بإستمرار لا تكريماً لرجل القضية واعترافاً بدوره في هداية الأجيال فقط، بل لأن هذا الرجل القائد جسَّدَ في حياته أسمى القيم المجتمعية العظيمة.

عرفت شخصية سعاده بمجموعة من الخصائص النفسية العظيمة التي اتسمت بالإيمان والحب والإخلاص والتفاني بالعطاء ‏والتضحيات من أجل الإرتقاء بالأمة، وتجسّد تفاني نفسه بآلامٍ عظيمة ‏لم يسبق لها مثيل مؤكدة بأأنَّ الغاياتِ الساميةَ لا تنشدُها ‏إلا النفوسُ الكبيرةُ.

‏ لقد جسَّدَ سعاده في حياته قيمة العطاء السخي فكراً وممارسة وإبداعاً. أعطى الأمة كل فكره وكل وقته وكل حياته ولم يبخل عليها حتى بدمائه. لقد تخلى عن كل ملذات الحياة ومغرياتها ووقف نفسه وحياته للإهتمام بقضية نهوض الأمة والإرتقاء بها إلى المجد. ترك للأمَّةِ نتاجاً فكرياً ضخماً تضمنَ عقيدة قومية فلسفية ومنظومةً منْ الأفكارِ والآراءِ العميقةِ في الإجتماع والسياسةِ والدينِ والأدبِ والموسيقى ‏وغيرِهَا منْ ميادينِ الفكرِ والعلمِ والفنونِ.

لقد عرف هذا الرجل القدوة قيمة البطولة المؤمنة وجسّدها في قيادته الجريئة للنهضة القومية وفي وقفات العز التي شكّلت دروساً خالدة ‏للأجيال، هو الذي رفض عندما كان حدثاً ان يرفع العلم العثماني فمزقه أمامَ رفاقِهِ وأساتذتِهِ في مدرسة برمانا معلناً إنتهاءَ عهدِ الذلِّ والعبوديّةِ للمستعمرِ التركي. رجل قدوة مشى في طريق الحق قبل غيره وجابه المحكمةَ الفرنسيةَ وقضاتها مدافعاً عن حقِ أمته وحريتها غير آبهاً بسلامته الشخصية.

إمتلك سعاده مثلاً أخلاقياً يُحتذى لا بل مدرسةً أخلاقيةً ساميةً تُحارب الفسادَ الأخلاقي وكل المثالب ‏الإجتماعية وتعتبر الأخلاق ‏شيئاً أساسياً جداً في الحياة، لأنه آمن بأن القوميين يجب أن يكونوا  “طغاةً على المفاسد”، فأخلاقه هي أخلاق الصراع في سبيل الأمة وتثبيت حقها في الحياة، هي أخلاق المواجهة الدائمة لقوى الباطل والإستبداد وللطائفيين والعملاء والنفعيين والمحتكرين لحقوق الشعب وثرواته.

توَّجَ سعاده عطاءاته السخية بقيمة الفداء التي جسّدها في منازلة تاريخية شبيهة بما كانت تفعله الآلهة في أساطيرنا الفلسفية كالإله بعل الذي أخذ على عاتقه منازلة التنين الشرير الذي يخيف الإنسانية ليقتله ويسحق رأسه.

سار سعاده في صبيحة الثامن من تموز إلى خشبة الإعدام، كما يذكرُ الكاهنُ الذي عرَّفه، بخطى هادئة قوية وهو يبتسم.. لم ينفعل.. لم ترهبه سطوة الباطل وسلطانه وجيوشه ولم يتخلَ عن عقيدته وإيمانه وأخلاقه لينقذ جسداً بالياً لا قيمة له، بل واجه الموت بأعصاب هادئة ورحَّبَ به طريقاً لحياة الأمة مردداً “انا لا يهُمني كيف أموتُ بل من أجل ماذا اموت”.. في تلك الليلة التموزية الظلماء تجسّد فعل البطولة النادرة بقول سعاده للجلادين: “دعوا عينيّ مفتوحتينَ لأرى الرصاصَ يخترقُ صدري”… مردداً بسمو ورقي كلمة “شكراً” لجلاديه…

انهمرت رصاصات الحقد والخيانة على سعاده واخترقت صدره …  فسقط جسده على شاطىء بيروت ولكن دمه التموزي انتصر على الموت بإرادة الحياة ولغة العز والمقاومة والعنفوان.. وتفجّرت دماءه الزكية إنتصاراً للحق والقضية…

إن المجرمين المأجورين الذين اغتالوا سعاده بهدف القضاء على مشروعه النهضوي سقطوا في مزبلة التاريخ وانطووا في العدم وكأنهم ما كانوا.. اما سعاده فبقي حياً خالداً في وجدان السوريين وقلوبهم، حياً بوقفاته المشرِّفة وسيرته المُشِّعة، وحياً بأعماله الخالدة وحقائقه الساطعة كنور الشمس.. وأمسى فكرة حية لا تموت.. امسى روحية تتغلغل في النفوس وتنبت في كل يوم وفي كل بقعة سنابل خير ومحبة وعطاء.. تنبت رجالاً ونساءً أحراراً مناضلين.. تنبت نسور الزوبعة في كل يوم وفي كل مكان من سورية الطبيعية.. تنبت ثورة ومقاومة وأمة ناهضة من قبرها في التاريخ.

فإلى هذا الوعي القومي وإلى هذه النهضة القومية الإجتماعية التي ليست حكراً على السوريين القوميين الاجتماعيين  ندعو كل المواطنين من أبناء مجتمعنا  أكانوا أشبالا وزهرات أم رواداً ورئدات أو نسوراً أو شباباً وطلاباً ليحيوا مبادىء القائد القدوة انطون سعاده فتنتصر قيم الحق والخير والجمال لتحيا سورية كلها حياة سعاده.