الأمين سايد النكت | سعاده باستشهاده تمدد في الزمن

الثامن من تموز الخطاب النهضوي

الأمين سايد النكت

ناموس المندوبية السياسية في أستراليا

 

كُتبت  الكلمات الكثيرة، وخُطت المقالات العديدة، وأجريت بحوث عدة ونظمت القصائد البليغة، ورتبت الأبيات الراقية الغنية بالمشاعر الفياضة، ونظمت المهرجانات والمسيرات المتنوعة، وعمت وقفات الاستنكار والاعتزاز كل نواحي الأرض حيث تواجد قوميون اجتماعيون وكل من يتصل بهم فكراً او موقفاً مؤيداً او حليفاً، لاستنكار وإدانة هذه الجريمة الشنعاء الذي ارتكبها الحكم في لبنان بالتآمر، آنذاك، مع الحاكم بالشام، والإعتزاز بموقف سعاده الرائد بوقفة العز التي عز نظيرها في الشرق. مسار زمن أشرف على سبع عقود، بعيد اغتيال سعاده، فيه نهضت أمم وأنكفأت أخرى، فيه تعاظمت قوى وضمر سواها، فيه إنقلبت موازين عالمية وارتسمت معالم جديدة، فيه وتيرة الحروب قد اشتدت فسفكت الدماء الغزيرة، فيه التكنولوجيا تطورت لكن الانسان انحدر، فيه الحركة الصهيونية تقدمت وأوغلت في بلادنا لكنها عادت واندحرت وتراجعت، وعادت بلهيب ومحارق واسماء جديدة، فيه خرائط جيو- سياسية قد رسّمت في العالم وتموضعت فيه، وفيه أخرى قد ارتسمت في الأفق القريب والبعيد، فيه فوضى خلاقة ومشروع شرق أوسط جديد، فيه حرب كونية وبربرية.

كل هذا الذي فيه، و لم يسرد الا القليل، يضعنا أمام مشهد وتساؤل جدير للمناقشة: لماذا بقي سعاده؟

ان الباحث، المدقق في  مجريات حدث اغتيال سعاده، يرينا ان السبب الحقيقي الذي كمن خلف قرار اغتياله، ليس المباشر المعلن بالثورة القومية الاجتماعية الاولى واسقاط الحكومة الجائرة في لبنان ولا ببيان ثورته القومية الاصلاحي لنظامه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي..، الذي يخشاه كل الظلاميين الفاسدين والمنتفعين.

هناك ميزتان وسما سعاده وأعطياه، اضافة لكله المتكامل، بطاقة المرور الى الزمن الآتي:

الأولى: سوريته، تمسكه بالقومية السورية، إعلانه إياها هوية انتماء واستراتيجية  صمود ومرتكز نهوض في عصر تنازع الامم البقاء، وغير متنازل عنها أو مساوم بشأنها ولا قيد أنملة.

الثانية: حركته، التي أطلقها، وأرادها، معاكسة للحركة الصهيونية، قولاً وجهاداً، منازلاً اياها  في الميدان وعدم قبوله المساومة معها بما يتعلق بحقنا في فلسطين، معلنا حربه المنظمة عليها وعلى منتوجها دولة الاغتصاب “اسرائيل”.

سمتان أساسيتان، شكلا الحافز الأساسي الأول للقضاء عليه، وهما عينهما شكلا سبباً رئيسياً في بقائه في مسار الزمن ما بعد اغتيال جسده ليومنا هذا ولما بعده من زمن آت. وهما سمتان من جوهر عقيدته الحيّة ومشروع حركته الصراعية.

في السمة الأولى، يتجلى بوضوح حقيقة اختراقه، لحدود اتفاقات دولية ورفضه ترتباتها، ومنازلته لقوى عالمية بما فرضت من مشيئتها على واقع استراتيجي حيوي، رسّمته كيانات متعددة، وأراده سعاده كيانا قوميا واحدا، أمة واحدة، تنهض عند ملتقى القارات الثلاث، الموقع الاستراتيجي الوحيد بفرادته في العالم، مقبع الثروات العظمى، وبوابة الشرق الكبرى، مما يهدد مصالح أساسية، استراتيجية واقتصادية لقوى عالمية واستعمارية. فبات سعاده يعبّر بوجوده بفكره وجهاده وحركته، عن أمة ناهضة رافضة لمفاعيل مقررات الأمم المنتصرة في الحرب العالمية الأولى ومن ثم الثانية في ترسيم واقع شرق أوسط كياناتي، وقيام دولة “اسرائيل” معلناً وعاملاً لأمة سورية وهوية قومية اجتماعية لا تقبل بالكيانية هوية ولا بمقررات الامم المنتصرة في الحربين العالميتين، شرعاً، ولا بـ “اسرائيل” وجوداً.

في الثانية، المستجد الأساسي في بدايات القرن الفائت، هو كشفه عن مسار الحركة الصهيونية ودقة خطتها وخطورة استهدافاتها، محاولاً أن ينبه الشعب السوري من مخاطرها وينظم حركته القومية المعاكسة لها، ويعد العدة لمجابهتها. فالحدث، المشروع، الذي جهدت اليه الصهيونية العالمية وسخرت كل قواها وقوى الأمم الأخرى، التي استصدرت قرارتها الهامة في سايكس – بيكو ووعد بلفور ومؤتمر لوزان وغيرهم من مقررات لاحقة، وروضت عليه الأنظمة القائمة آنذاك، خدمة لمآربها في اغتصاب فلسطين، وقضم متسع الأرض وما عليه وما في جوفه من  الفرات الى النيل، وجدت أن سعاده هو وحده المناهض الاستراتيجي الأول له، لمشروعها ومسار خططها، فقررت ضرورة إزاحته والقضاء عليه وعلى حزبه.

لماذا هو الخطر الاستراتجي الأول عليها:

لأنه الأول الذي أدرك واستشرف مخاطرها  ففي سنة 1925 كتب في مجلة المجلة، سان باولو “رغماً من كل ما تقدم، ومن أن الحركة الصهيونية غير دائرة على محور طبيعي، تقدمت هذه الحركة تقدماً لا يستهان به. فإجراءاتها سائرة على خطة نظامية دقيقة، وإذا لم تقم في وجهها خطة نظامية أخرى معاكسة لها كان نصيبها النجاح. ولا يكون ذلك غريباً بقدر ما يكون تخاذل السوريين كذلك إذا تركوا الصهيونيين ينفذون مآربهم ويملكون فلسطين. حتى الآن لم تقم حركة سورية منظمة في شؤون سورية الوطنية ومصير الأمة السورية. لذلك نرى أننا نواجه الآن أعظم الحالات خطراً على وطننا ومجموعنا. فنحن أمام الطامعين والمعتدين في موقف تترتب عليه إحدى نتيجتين أساسيتين هما: الحياة والموت. وأيُّ نتيجة حصلت كنا نحن المسؤولين عن تبعتها”.

لأنه الأول الذي استشرف مراميها وخطرها، فقد جاء في خطاب سعاده للأوّل من آذار 1938: “لا ينحصر خطر اليهود في فلسطين بل هو يتناول لبنان والشام والعراق أيضًا. إنه خطر على الشعب السوري كله، لا لن يكتفي اليهود بالاستيلاء على فلسطين، ففلسطين لا تكفي لإسكان ملايين اليهود”.

كما أنه الأول الذي اسس وأرسى حركة المقاومة والمجابهة على أساس قومي فعلى هذا اساس تشكل قوة المجابهة الحقيقية، لهذا الآتي الخطير، الاستراتيجية المعاكسة للاستراتيجية الصهيونية “ففلسطين لن تستطع ان تقاوم وحيدة، اذا لم تدعم من قوة الأمة..” وانقاذ فلسطين “هو امر لبناني في الصميم كما هو أمر شامي في الصميم كما هو أمر فلسطيني في الصميم”.

في الخطاب الذي ألقاه في أوّل حزيران عام 1949، قبل استشهاده بخمس أسابيع قال سعاده: “تقوم اليوم في الجنوب دولة جديدة غريبة كنت أترقّب قيامها… ولكني كما أعلنت قيام تلك الدولة أعلن اليوم محق تلك الدولة عينها، ليس بقفزة خيالية وهمية، بل بما يعدّه الحزب القومي الاجتماعي من بناء عقديّ وحربيّ يجعل من سورية قوة حربية عظيمة تعرف أنّ انتصار المصالح في صراع الحياة يقرَّر بالقوة بعد أن يقرّر بالحق”.

“إن محق الدولة الجديدة المصطنعة هو عملية نعرف جيدًا مداها. إنها عملية صراع طويل شاق عنيف يتطلب كلّ ذرة من ذرات قوانا لأن وراء الدولة اليهودية الجديدة مطامع دول أجنبية كبيرة تعمل وتساعد وتبذل المال وتمد الدولة الجديدة بالأساطيل والأسلحة لتثبيت وجودها”.

“إن الدولة اليهودية تخرّج اليوم ضباطًا عسكريين وإن الدولة السورية القومية الاجتماعية التي أعلنتها سنة 1935 تخرّج هي أيضاً بدورها ضباطًا عسكريين… هذا ليس آخر جواب نعطيه لليهود لأن الجواب الأخير سيكون في ساحة الحرب”.

في صباح التاسع من حزيران” وصل حسني الزعيم الى فندق بلودان الكبير في سورية، الساعة العاشرة قبل الظهر وحضر سراً هذا الاجتماع وزير الخارجية “الاسرائيلي” موشيه شاريت متنكرا بثياب ضابط من الجيش السوري، لمناقشة أمور عدة منها معاهدة السلام بين “اسرائيل” وسورية ومن بين ما ناقشه، كيفية دفع أنطون سعاده على إشعال الثورة المسلحة في لبنان بهدف القضاء على سعاده وحزبه، (انظر جريدة المحرر العدد 200 بتاريخ 10 – 16 تموز 1999، ص 8 و9 مقابلة مع الضابط سامي جمعة، رجل مخابرات سابق الذي شهد الاجتماع) في مقابل أن تعطي “اسرائيل” نصف بحيرة طبريا الى سورية وتقيم مع سورية سلاماً كاملاً. إلتقى حسني الزعيم سعاده في دمشق الساعة العاشرة مساء بدل الثامنة فأكرمه وأهداه مسدساً وطمأنه أنه يضع تحت تصرفه كل ما يحتاج من سلاح ومال، إذا أقدم على القيام بثورة ضد الحكم اللبناني. ويذكر ان وزير الخارجية السوري في عهد الزعيم الأمير عادل أرسلان قال في مذكراته في 16 شباط 1950 “ان حسني الزعيم هو من حرّض أنطون سعاده على القيام بثورة على النظام اللبناني”. من هنا يمكن أن نفهم لماذا دبرت حادثة الجميزة في بيروت واحراق مكاتب جريدة الحزب واستهداف سعاده ومطاردته ومحاصرته في أكثر من مكان لوصوله الى الشام حيث توصل الى قناعة، بعد هذا الاستهداف العام الموجه له ولحزبه، وبعد ان شهد نكبة فلسطين وانصياع  لبنان لشروط الهدنة، ولم يعد عنها بديل، اعلان الثورة على الحكم في لبنان بعد ان حصل على كل الضمانات والدعم من حسني الزعيم، الذي كان يهيء له شركاً تنفيذا لتوجهات الصهاينة ودولتهم ومحافلهم.

وهنا يتضح لنا معالم المؤامرة التي دبرت، بما لا يقبل به الشك، لاغتيال سعاده في فجر الثامن من تموز 1949، والتي كانت وراءها الصهيونية العالمية وبعض أنظمة الرجعية العربية، مما يدل بوضوح على أهمية دور سعاده وحزبه في فضح ومواجهة الحركة الصهيونية ودولتها، اليهودية، الجديدة المصطنعة، التي قامت وارسيت باتفاقيات الهدنة مع عدة دول في أمّتنا والعالم العربي عام 1949، وكشف سعاده لهذه الخطة المنكرة بذاتها، وتبعاتها على الأمّة وتحذيراته الواضحة كما تهديده  لحكام الدول السورية التي تفكر في سلوك هذا الطريق.

ان بيان الثورة القومية الاجتماعية الاولى  في الرابع من تموز 1949 بما يتعلق باصلاح النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في لبنان، والثورة على الحكم الجائر فيه، لم يكن، وان بدوا، سببا مباشرا لهذا الاغتيال وهذه المحاكمة الوهمية، انما بيان الأول من حزيران 1949 وقبله بيان الاول من اذار في السنة عينها وكذلك موقفه من اتفاقية التبلاين وقبلهما موقفه من قرار الامم المتحدة في شأن تقسيم فلسطين ونكبة فلسطين وقبلهما خطابه اثر عودته من المهجر في الغبيري، وقبلهما مقارعته المنتدب، وقبل كل ذلك لانه باعث نهضة سورية قومية اجتماعية، تسعى لبعث إنسان جديد ونظام ومجتمع جديدين، هاجم الحزبيات الدينية والاقطاع والرأسمالية الجشعة والانانية والفردية القاتلة، هاجم كل اشكال معطلات مجاري الحياة القومية والنهوض المجتمعي. وكلها وان لم تكن لها اليد بشكل مباشر في هذا الاغتيال انما كلها هللت له، وارادته وانتفعت منه، بحيث كانت كلها ادوات مباشرة في محاربته ونحره.

ان ما شهدناه من تطورات اقليمية وعالمية بعيد اغتيال سعاده، فيما يتعلق بمنطقتنا السورية وعالمنا العربي، يظهر لنا أن سعاده بسوريته، بعقيدته السورية، بقوميته السورية، وان كانت سببا في إنهاء جسده، إلا أنها سببا لبقائه حاضرا في مسار الزمن، بها قفز فوق حدود المكان والزمن الآني، الى زمن السورية الحقيقة المتجلية، التي نشهد من فصولها اليوم سقوط العروبة الوهمية ونهوض القبضة والارادة السورية، التي ترسم حاضراً قومياً وعربياً وعالمياً جديداً. فعل سعاده في تجذير هذه السورية وفعل القوميين الاجتماعيين في مقارعة القوى الظلامية التكفيرية وقوى الحرب الكونية على الشام وسورية كلها، بطاقة حضور سعاده في زمن المنازلات الكبرى، وكتابة مسار التاريخ.

كما أن سعاده وباستراتيجيته المعاكسة لاستراتيجية الحركة الصهيونية التي كانت سبباً مباشراً لاغتيال جسده، إلا أنها أبقته فوق خطوط الزمان والمكان الآني لزمن سار به لمقارعة أعتى قوة منظمة عالمياً ومتغطرسة إقليمياً، مؤسساً وهادياً لأهم مدرسة نضالية مقاومة إستشهادية وجذرية في الشرق. إن حركة الصراع التي أطلقها سعاده لا سيما فيما يختص بمقارعة الصهاينة ودولتهم الغاصبة في فلسطين، هو صرح من البطولات يتقدم في الزمن، هو صراع مرير يبقي فيه سعاده وتلامذته وحزبه رواد منازلة وبقاء وانتصار.

انه ولو هزمت الصهيونية العالمية وانتفت ودولتها الغاصبة في فلسطين من الوجود ولو عمت السورية  بقوميتها الاجتماعية، كحقيقة قائمة، يبقى سعاده بفلسفته المدرحية، ومبادئ الحياة الجديدة، معلما وهاديا الشعوب جمعاء في مسار الأزمنة الآتية.